تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

68

والحذف أكثر من الإضافة لأن درجة التركيز في اللغة العربية أعلى بكثير من اللغة اليونانية.

69

وللحذف دوافعه وأشكاله، أوله الاختصار في القول والتركيز على المعنى، وهو أهم الدوافع وأظهر الأشكال، وتوخي الدقة في التعبير طبقا لأساليب البلاغة العربية، أكبر قدر ممكن من المعاني في أقل قدر ممكن من الألفاظ،

70

وقد يكون الدافع على الاختصار معرفة الموضوع مثل الفرس في بيئة تعرف الفروسية، وقد يكون الاختصار للصورة من أجل التركيز على المعنى المباشر؛ فكل لغة لها أساليبها البيانية. وقد يكون الاختصار للتفاصيل حياء من ذكرها خاصة فيما يتعلق بالمرأة. وقد يكون الاختصار للصورة الفنية؛ فكل صورة مرتبطة بلغتها وثقافاتها.

71

ومن العبارات المحذوفة من أجل التركيز والاختصار، حذف ألفاظ القول من أجل التركيز على المقول، والدخول في الموضوع مباشرة دون تقديم له، أو نسبته إلى قائل على القول بعيدا عن القائل، وكذلك حذف ألفاظ التقديم مثل «فواضح أن».

ومن أشكال اختصار العبارة وإبراز المعنى حذف الترادف والتكرار، وكثرة الأمثلة والإسهاب في الشرح والتفصيل، مما يفقد المعنى بريقه وقوة جذبه وقدرته على إثارة معان موازية،

72

وذلك مثل الصعود إلى أعلى والنزول إلى أسفل. يحذف تحصيل الحاصل والشرح المسهب وإيجاد العلل والأسباب مما يقلل من قوة المعنى وأثر الإيحاء بالتفسير العقلاني العلمي للأحداث، وكنوع من التعميم للدلالة دون ربطها بالعلل والأسباب.

73

وأحيانا يكون التعليل تحصيل حاصل لا يزيد على المعنى المقصود شيئا.

وقد يكون الحذف للزيادة غير الدالة أو الواقع غير الدال مثل العد والإحصاء للأفكار، الذي يجعها أشبه بالأعداد الرياضية. ومما يتنافى مع الأسلوب العربي المتصل،

74

حذف الوقائع المادية الجغرافية والتاريخية والإبقاء على دلالاتها أو ماهياتها،

75

التركيز على الفكرة وليس على الواقعة، وعلى معنى واحد لا على معنيين. كما يحذف التعيين والتخصيص والاكتفاء بالجنس أو النوع، مثل الاكتفاء بالحيوان دون تخصيص بالجمل،

76

فتعميم المعنى أفضل من تضييق التخصيص، كما تحذف ألفاظ التخصيص مثل «فقط»، من أجل إطلاق المعنى على حالات أخرى و«خاصة» و«بالأخص». وقد يكون التخصيص بالزمان والمكان والشخص. وأحيانا يوضع التخصيص لمزيد من دقة المعنى.

77

وتحذف بعض عبارات الوصل والتقديم لما هو آت والتذكير بما فات؛ فالربط الخارجي أضعف من الربط الداخلي، وهي عبارات خارج بنية الموضوع ذاته، ولا تدخل في صميم وصفه. وهو نفس ما فعله المترجم اللاتيني مع العبارات العربية، التي لا تدخل في صميم الموضوع في رأيه، ومعظمها العبارات التي تعبر عن التصور الديني للعالم للمترجم وللحضارة المترجم إليها مثل البسملات والحمدلات.

78

ومن دوافع الحذف تخفيف الأحكام وتهدئة العبارة، والبعد عن المبالغة والتطرف من أجل عبارة متوازنة تسمح بالحوار، وبالرأي والرأي الآخر؛ فتحذف ألفاظ كل وجميع، من أجل ضبط الحكم علميا، وجعله أكثر دقة وحيطة من حيث الحصر، وكذلك حذف ألفاظ «جدا» للغاية التي تدل على المبالغة ودفع المعنى إلى أقصى حد، ومثل «كثيرا» وكل أوصاف المبالغة، وأيضا ألفاظ القطع والحسم مثل «بدون شك» و «عن صواب» و«عينه» و«ذاته»، وترك أوصاف التضخيم والتفخيم مثل «مفرط»، «على التام»، وكذلك حذف ألفاظ «مخيف»، «عموما»، «دائما»، «أبدا»، وكذلك حذف كل أفعل التفضيل، وألفاظ «بالطبع»، «لا محالة».

79

ومن أشكال الحذف الانتقال من الجزء إلى الكل، من أجل التعميم؛ وبالتالي التخصيص؛ أي حذف التحديدات الجغرافية والمحلية. كما يتم الانتقال من الواقع إلى القيمة فيحذف الواقع، أو من القيمة إلى الواقع فيتم تمثيل القيمة في عدة وقائع. وهو نفس الدافع السابق في الانتقال من الجزء إلى الكل أو من الكل إلى الجزء.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٣٧