تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن تعليقات الناشر الحديث وطريقة تعامله مع الترجمة العربية القديمة، لهي نفسها موضع دراسة مستقلة للكشف عن الموقف الحضاري للمترجم الحديث، مقارنة إياه بالموقف الحضاري للمترجم القديم، الأول يقوم على الإبداع والثاني على المطابقة، الأول يتم في عصر الانتصار والثقة بالنفس، ومن منطق القدرة على التمثل والاحتواء، والثاني في عصر الهزيمة والإحساس بالنقص أمام الغرب، ومع غلبة النزعة التاريخية في القرن الماضي عليه في الدراسات الإنسانية. (أ) الحذف

الحذف تركيز واتباع بنية الجملة العربية وليس الجملة اليونانية. ولا يجوز للناشر الحديث إكمال المحذوف، حتى يجعل الجملة العربية تابعة للجملة اليونانية، تبعية الفرع للأصل على مستوى اللفظ، والمحيط للمركز على مستوى المعنى. ويعني الحذف إسقاط المثل اليوناني لعدم دلالته؛ فوظيفة المثل توضيح الممثول، وأن يكون أوضح منه. والمثل اليوناني لا يعيش في المخزون الثقافي العربي مثل «تتبع نصيحة فالفسو» في الأوديسا لهوميروس.

61

وتحذف بعض الألفاظ حتى يصبح المعنى مطابقا للنص اليوناني؛ فالمترجم هنا لا يقصد معنى الجملة بل معنى الفقرة؛ فالجملة في سياق وفهم المعنى الكلي له الأولوية على معاني العبارات الجزئية. وقد يسقط لفظ دون أن يتغير المعنى الكلي للعبارة، ويرجع ذلك إلى تقدير كل مترجم، خاصة ولو كانت المسافة بين المترجم القديم والمترجم الحديث تزيد على الألف عام؛ مما يقتضي اختلاف الحاسة اللغوية والموقف الحضاري. الحذف ليس سقطا عن سهو أو عن عمد، بل يعني التركيز على المعنى وإبرازه بصرف النظر عن بنية العبارة اليونانية. والسقط وإن كان مهما في حد ذاته، إلا أنه من منظور كلي تفصيل لا يفيد، وظيفة السقط التحول من الخاص إلى العام، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن اللفظ إلى المعنى، ومن المثل إلى الممثول. يمكن إسقاط لفظ لا يفيد في التعبير عن المعنى ولا يخل بالمقصود، ولا يعني السقط للفظ أن الترجمة غير دقيقة، بل لأن التخصيص لا يفيد في إبراز المعنى الكلي؛ فالترجمة تحول الخاص إلى عام، والجزئي إلى كلي. كما يعني تجنب التكرار وشرح المثل حتى يظل حيا يثير الخيال.

62

والحذف ليس سقطا من الترجمة العربية، بل تخليص النص عن حوامله المكانية وشوائبه الوصفية، مثل خوف أهل مصر كممثول إبقاء على المثال.

63

والاختصار نوع من الحذف المعنوي تركيز على المضمون، وتقليل من الإسهاب، وإبراز للموضوع وراء الكلام؛

64

فقد أدمج حنين بن إسحاق كلام أبناذقليس وأوميروس في نفس القول ما داما متشابهين.

65

وقد يأتي الاختصار بدلا من الحذف، وضم ثلاثة ألفاظ يونانية في لفظ عربي واحد؛ فكل لغة لها خاصيتها في الإسهاب أو التركيز،

66

إذا كان الحذف سقط لفظ فإن الاختصار حذف جملة، وأحد دوافع الحذف عدم التكرار. والاختصار سقط طويل لا لزوم له؛ لذلك تبدو الترجمة العربية لبعض الفقرات أشبه بالاقتباس.

ولا يعني الحذف أي خلل في الترجمة، بل التركيز على المعنى نظرا للاختلاف بين طبيعتي اللغتين، اليونانية والعربية في درجة التركيز؛ فوصف البخت بأنه أعمى في الترجمة العربية أفضل من ترجمته بأنه أعمى مجنون في النص اليوناني. النص العربي اختصار وتركيز طبقا للأسلوب العربي؛ فالترجمة معنوية وليست حرفية، ولو كانت حرفية لفضل عليها المترجم الحديث الترجمة المعنوية؛ فالترجمة القديمة متهمة في الحالتين. الحذف ليس نسيانا أو إهمالا بل تركيزا للأسلوب وبلورة للمعنى، كما تقتضي بذلك أساليب البلاغة العربية خاصة الوضوح.

67

وقد يعني الحذف أن المترجم يؤلف مع المؤلف، وأن إحساسه باللغة يفرض عليه التركيز من أجل إبراز المعنى وتقويته.

وبالتالي لا يجوز للمترجم الحديث إضافة ما حذفه المترجم القديم بدعوى وجودها في الأصل اليوناني؛ فليس الأصل هو النص اليوناني، والفرع هو النص العربي كما يريد الاستشراق الغربي، بل الأصل هو النص العربي، والفرع هو الأصل اليوناني كما تريد الدراسات الوطنية، والموضوع كله رؤية. ما يتصوره الاستشراق على أنه حذف في الترجمة العربية هو تركيز وتلخيص. وما يتصوره على أنه زيادة هو شرح وتفسير. وما يتصوره الاستشراق على أنه زيادة في الأصل اليوناني هو في الحقيقة حذف في الترجمة العربية. وما يتصوره الاستشراق على أنه نقص في الأصل اليوناني هو في الحقيقة زيادة في الترجمة العربية.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٣٦