تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المترجمون في النهاية عرب نصارى، سريان الشام عرب وليسوا أجانب، نصارى من أهل الكتاب الذين بينهم وبين المسلمين مودة ورحمة. عاشوا في الأراضي المفتوحة في كنف الحكم الإسلامي، وفي حضارة تعترف بقيمة العلم وحرية الفكر. وجدوا كل رعاية من الخلفاء، وكل احترام لعقيدتهم؛ فالذين قاموا بالترجمة من الداخل وليسوا من الخارج، وطنيون وليسوا أجانب. كانوا عربا ذوي ثقافتين، يدينون بالولاء لنصرانيتهم كدين ولعروبتهم كلغة، وهنا تأتي أهمية أصحاب الثقافتين في إثراء الحضارة وإغناء الأمة. نقلوا ثقافات الأمم المجاورة إلى داخل العالم الإسلامي، الذي يعيشون فيه مع إخوتهم العرب المسلمين، ولم يذهبوا إلى روما أو إلى القسطنطينية، كما يفعل نصارى العرب اليوم في العيش في عواصم الغرب، وعملوا كفريق، يؤدي كل منهم دوره في النص؛ إحساسا بالمسئولية، وتحقيقا للرسالة الثقافية.

أصبح السريان بعد الفتح الإسلامي جزءا من الأمة، فنقلوا ثقافتهم السريانية بما

في ذلك ترجماتهم عن اليونانية، خدمة للثقافة العربية الجديدة التي كان ولاؤهم لها

كمحيط ثقافي أوسط قدر ولائهم للثقافة السريانية الأقل انتشارا. لم يكن الهدف نشر ثقافة الغير اليونانية بل تطوير ثقافة الأنا الحضاري العربي العام، عبر الثقافات السريانية المحلية المتوسطة؛ لم يكن الهدف نشر ثقافة الغير في ثقافة الأنا، وتغريب ثقافة الأنا في ثقافة الغير، في بيئة تسمح بالحرية الثقافية وتحترم ثقافات الشعوب. ولم تذب الثقافة السريانية في الثقافة العربية بعد الفتح، كما ذابت ثقافة الفرس الذين اندمجوا على طريق الدين. ظل السريان محتفظين بنظمهم التعليمية بعد الإسلام، ولم يتصلوا بالثقافة العربية باستثناء حنين بن إسحاق، الذي تلقى العربية على يد الخليل بن أحمد. بالرغم من أن الشراح كانوا نصارى دينا وعربا لغة، إلا أنهم كانوا مسلمين حضارة وثقافة، كما كانوا مسلمين بواقع نصرانيتهم؛ فكل الرسالات السماوية قبل الإسلام، إنما كانت تبليغا لرسالة الإسلام في صور مختلفة، فكان الأنبياء جميعا مسلمين.

كان مدار السريان تاريخ الثقافة السريانية المختلف عن تاريخ الثقافة العربية؛ فقد اعتنى الأدب السرياني في جميع عصوره بالترجمة عن اليونانية منذ العصر الوثني. واستمرت الترجمة في العصر المسيحي في بلاد ما بين النهرين لنشر الدين الجديد، فترجمت الأناجيل الأربعة في النصف الأخير من القرن الثاني الميلادي. وعند البعض الآخر تمت ترجمة العهد الجديد منذ أواخر القرن الأول؛ فالنظريات المتحررة تأخذ بالتاريخ المتأخر، والنظريات المحافظة تأخذ بالتاريخ المبكر، كما هو الحال في تاريخ كتابة الأناجيل. وكان السريان حتى القرن السابع يستكملون ترجمة الكتاب المقدس ويراجعونه؛ توخيا لمزيد من الدقة، وأضافوا إليه كثيرا من شروح آباء الكنيسة اليونانية وشيئا من خطبهم ومواعظهم. وكانت الفرقة المسيحية منهم قد استعانت بالفلسفة اليونانية من قبل وبخاصة منطق أرسطو، فنقلوا هذه الكتب إلى لغتهم، وألفوا لها الشروح والمسائل.

7

كان التعليم الديني إذن هو العامل الأول في ارتقاء اللغة، ونشأة المصطلحات، وتحسين الأسلوب، وإبداع التراكيب. كان لكل مترجم ثقافة، فكانت الثقافة السريانية ثقافة المترجم السرياني، وكان الأدب السرياني قد تفرع عن الأدب الفلسطيني الديني ومطعما باليونانية، قد تنقصه الأصالة؛ لأن السريان لم يكونوا أمة ذات مشروع حضاري كاليونان أو العرب أو الفرس. كان الشعر السرياني كنسيا خالصا، نماذج من الشعر البيزنطي، أبدع ملحمة واحدة، وتنقصه القصة، باستثناء قصة مترجمة عن الهندية في ثوب مسيحي، لم يجد العرب إلا نماذج سلامان وأبسال في حي بن يقظان. كما غاب عنه الشعر التمثيلي؛ فالتمثيل لا يتفق مع الدين، ويستوجب حنق الله والروح القدس عند صنع وجه الإنسان. أما شعر الملاحم فلم يتم تقديره حق قدره؛ فهوميروس هو أحد شعراء العرب يمدح ويهجو. الشعر جزء من المنطق، أما الفلسفة فكانت لها غاية خاصة لامتزاجها بالدين. وكان الطب محط تقدير خاص لنفعه في الدنيا، وهو ما تبناه الموقف الحضاري الإسلامي بعد ذلك.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٣