وإذا كان فصل «التاريخ» قد تم عن طريق استعراض كتب التاريخ طوليا بعد تصنيفها في أنواع أدبية، فإن فصل الترجمة قد تمت كتابته عرضيا لمعرفة منطق النقل الحضاري، باستثناء النماذج المترجمة وتحليلها لإعطاء الشواهد التفصيلية على المنطق العام.
ويذكر معظم المؤرخين للحضارات أو للعلوم أو للأعلام أسماء المترجمين وترجماتهم، فيتساءل صاعد هل ترجم ابن المقفع كتب أرسطو المنطقية؟ هل كان يعرف اليونانية؟ ويذكر باقي الأعلام لا فرق بين مترجمين وشراح ومؤلفين أو ترجمات عن اليونان أو فارس أو الهند؛ فالمترجمون كانوا أصحاب مواقف ومذاهب، كما يذكر صاعد المترجمين عن البابلية مثل تنكلوش.
5
وقد لاحظ المؤرخون هذه المراحل المختلفة في التحول من النقل إلى الإبداع، ابتداء من الترجمة حتى الشرح والتأليف. ويصف طاش كبرى زادة هذه المراحل، ابتداء من رغبة الخليفة المأمون ترجمة علوم الأوائل وإلا فالحرب إذا امتنع، وقبول ملك الروم إرسالها إليه لتفتيت المسلمين والشك في دينهم، ثم أتى الفارابي ولخصها وهذبها؛ ونظرا لأنه كان كثير الأسفار تركها غير مجمعة، ثم ألف ابن سينا بينها وجمعها وعرضها.
6
والمترجمون هم نصارى الشام، عرب مزدوجو اللغة والثقافة، تنصروا لقربهم من ديار النصرانية، وعرفوا لغة الأناجيل وهي اليونانية، بالإضافة إلى لغتهم الدينية، لغة الأديرة وهي السريانية، واللغة العربية وهي لغتهم الوطنية. قاموا بنقل الكتب المقدسة والتراث المسيحي من اليونانية، لغة الإنجيل، إلى السريانية، لغتهم الوطنية، وكما قام لوثر بنقل الكتاب المقدس إبان الإصلاح إلى الألمانية لغته القومية، وكما قام المشايخ السبعون بنقل العهد القديم في الإسكندرية إلى لغتهم الوطنية، من العبرية إلى اليونانية في «السبعينية»، وكما قام القديس جيروم بنقله إلى لغته الوطنية، لغة الشعب اللاتينية في «الفولجات». ولاؤهم للثقافة المحلية الموروثة وهي الثقافة العربية، نقلوا إليها الثقافة الوافدة وهي اليونانية عبر السريانية لشئون العبادة، فلما جاء الفتح، وأصبح للعرب دولة وسيادة، واستقلوا عن الفرس شرقا والروم غربا، عبر الدين الجديد الذي مكنهم في الأرض واستعمرهم فيها، خرج نصارى الشام من عزلتهم وانضموا إلى مجموعة عرب الشام، وخرج الرهبان عن صمتهم انتماء لمجموع العرب، بعد أن حرر العرب القادمون من الجنوب عرب الشمال من اضطهاد الرومان، ورغبة من العرب الفاتحين في التعرف على ثقافة عرب الشمال، خاصة وأن الدين الجديد يدعو إلى العلم والتعرف على ثقافات الشعوب، ورغبة من نصارى الشام بتقديم أنفس ما لديهم من ثقافة لإخوتهم الفاتحين من الجنوب المحررين للشمال. لم يكن نصارى الشام من اليونان أو الروم، بل كانوا عربا آمنوا بدين نشأ في بلاد العرب، وعرفوا لغة هذا الدين، اليونانية، ونقلوا الإنجيل إلى لغتهم السريانية إحدى اللهجات العربية، كما أن الآرامية إحدى اللهجات العبرية. وبعد نمو الروح الوطني بعد الفتح وانضمام عرب الجنوب إلى عرب الشمال، ظهر ولاء الشام للعروبة لغة وثقافة، كما بلور الإسلام عروبة الجنوب في دولة عربية موحدة، بلغة عربية موحدة. التقى الجنوب مع الشمال على العروبة لغة وثقافة، فقدم نصارى الشام ما لديهم من لغة وثقافة لخدمة عرب الجنوب لغة وثقافة، فنشأت حركة الترجمة من اليونانية إلى العربية عبر السريانية أولا بواسطة نصارى الشام، الذين كانوا قد ترجموا من قبل بعض تراثهم الديني إلى السريانية ثم من اليونانية إلى العربية مباشرة تفاديا لأخطاء النقل المزدوج. وكان ولاء نصارى الشام للعروبة لغة وثقافة وليس لليونان أو الرومان لغة وثقافة. ولم ينشأ لديهم صراع ديني؛ فالإسلام ينهل من نفس النبع الذي خرجت منه النصرانية، دين إبراهيم، مؤسس الحنيفية السمحة، الدين الطبيعي الذي تلتقي عليه كل ديانات الوحي. والإسلام تأكيد للرسالات السماوية السابقة، اليهودية والمسيحية اللتين عرفهما العرب وآمن البعض بهما. اليهودية والمسيحية والإسلام مراحل متتالية لوحي واحد، وقد دعا الأنبياء جميعا منذ آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى حتى محمد إلى رسالة واحدة، رسالة التوحيد، بالإيمان والعمل الصالح؛ ومن ثم قدموا ما لديهم من إمكانيات لغوية وثقافية للإخوة الجدد، تحديثا لهم ومساعدة لهم على فهم الدين الجديد، والتعرف على ثقافات الأمم المجاورة وفلسفة العصر. كان ولاؤهم للداخل وليس للخارج، أعطوا ما لديهم كعلوم وسائل وليس كعلوم غايات، وأبقوا على علوم العرب الجديدة كعلوم غايات لا كعلوم وسائل.