تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11

ولا يجوز إعادة إنتاج النص العربي طبقا للترجمة اللاتينية؛ فذاك يفقد قيمة العمليات الحضارية في النصين معا؛ فالأصل العربي المفقود أو الذي يتم إصلاحه قد تم بعمليات حضارية، خاصة في النقل من اليوناني إلى العربي مباشرة أو بتوسط السرياني. ولا يمكن لها أن تتم عبر نقل مغاير حديث خارج نفس الموقف الحضاري من اللاتينية إلى العربية. كما أن النص اللاتيني قد خضع لعدة عمليات حضارية ثانية في الترجمة من العربية إلى اللاتينية مباشرة أو عبر اليونانية، إضافة أو حذفا أو تأويلا. وترجمته إلى العربية لإكمال أوجه النقص في النص العربي الأول، هو حشر عمليات حضارية أوروبية وإضافتها إلى النص العربي الذي لم يقم بها؛

12

فمثلا سمي كتاب الخير المحض لأبرقلس عند اللاتين كتاب العلل؛ مما له دلالة حضارية مختلفة عن العنوان العربي. عنوان «العلل» أقرب إلى الطبيعيات في حين أن العنوان العربي «الخير المحض» أقرب إلى الأخلاقيات. (2) النواة والدوائر الخمس

الأصل اليوناني أشبه بالنواة الأولى، ثم نسجت حولها عدة خيوط وأغلفة ونصوص موازية أشبه بالدوائر المتداخلة، يصبح النص اليوناني هو مركزها جميعا؛ فهناك الشارح اليوناني داخل الحضارة اليونانية، الذي يقوم بأول نقل حضاري داخلي من عصر أرسطو إلى عصر الشارح، الإسكندر أوثامسطيوس أوسمبليقيوس. والخلاف بين النص كنواة أولى وبين الشارح اليوناني خلاف في تقدم التاريخ وتراكم المعارف من قرن إلى قرن. ومع ذلك فهو الوثيقة التاريخية الأولى في نظر المترجمين السرياني والعربي، وإن لم يكن كذلك في نظر الشراح اليونان. وهو النص المعيار الذي يتم التصحيح عليه؛

13

فالتعليق يتعرض لجودة النقول أو رداءتها، لقدمها أو حداثتها، ويعرض الاتفاق والاختلاف بينها.

ثم هناك دائرة المترجم السرياني الذي يقوم بنقل النص اليوناني وربما اعتمادا على شراح اليونان، ويقوم بمهمة حضارية مخالفة، وهي نقل النص اليوناني من اللغة الأصلية إلى لغة جديدة هي السريانية، وإلى حضارة جديدة، من الحضارة اليونانية إلى الثقافة النصرانية السريانية. والنقول السريانية أوضح في النص اليوناني؛ لأنها شرح للمعنى وتجاوز للفظ، كما أنها أكثر سلاسة في العبارة، وأقدر على التعبير عن المعنى.

14

الزيادة السريانية زيادة في التوضيح، فإما تحذف في العربية أسوة باليونانية، أم تبقى أسوة بالسريانية توضيحا للمعنى. ليس الغرض هو النص الأول بل المعنى، وفي النقول السريانية إبراز للغرض أو العلة أو الدافع، كما هو الحال في التعليقات العربية. لا يهم النتيجة بل العلة، لا يهم النهاية بل التساؤل أو بداية الفكر في الترجمة، حول أهداف النص ومقاصده. ولم يحدث في النص السرياني شرح قدر ما حدث في النص العربي. حدثت ترجمات فقط تختلف بينها باختلاف المترجمين، أو باختلاف النصوص الأصلية اليونانية؛ فلم تكن هناك أمة سريانية أو حضارة سريانية بالمعنى الشامل؛ وبالتالي غاب الهدف التاريخي أو الغاية للأمة. الاختلافات في السريانية مجرد اختلافات في الترجمة، لا تحمل أية دلالة حضارية إلا فيما بعد بالنسبة لنصرة العقيدة المسيحية. التعليق السرياني ضروري لتوضيح المعنى،

15

فإذا عجز المعلق عن الحكم فإنه يورد النقول السابقة اعتمادا على الرواية، وإرجاعا للمتن إلى السند بتعبير أهل الحديث.

16

وقد ظهرت العمليات الحضارية في النص السرياني، ولو بصورة أقل مما حدثت في النص العربي؛ فقد كانت حضارة السريان أقلية في حين أن الحضارة العربية كانت لها الأغلبية. وكان السريان ضمن الأمم المفتوحة في حين كان العرب من الأمم الفاتحة. وقد قام السريان بالعمليات الحضارية في نطاق محدود للدفاع عن الدين في حين قام بها العرب على نطاق واسع كجزء من رؤية حضارية عامة. ولا تقتصر الترجمات على ترجمات أرسطو وحده، بل أيضا مقالات الإسكندر الأفروديسي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليقص ٢٢