7
وتمثل ترجمة الخطابة المرحلة الأولى من الترجمة، في الثلث الأخير من القرن الثاني، مرحلة بناء المصطلحات الفلسفية. كانت الترجمة من السريانية لا عن اليونانية مباشرة،
8
وهو النقل الوحيد الباقي من كتاب ريطوريقا. إن حرفية الترجمة لكتاب الخطابة، تثبت أن الغاية منها الحصول على المعنى وليس اللفظ، والبداية بالمعنى والتعبير عنه باللفظ، وليس البداية باللفظ، وإلا لما أمكن الحكم على الترجمة الحرفية بأنها سقيمة. ومن هنا أتت ضرورة التعرف على المترجم، حتى يمكن معرفة اتجاهه وموقفه ودرجة علمه باللغة، دون الاكتفاء بالمترجم المجهول.
9
إن الدقة في الترجمة العربية إنما كانت تتم على حساب المعنى، ثم يأتي دور الشرح للتخفيف من حدة الحرف وإبراز المعنى على حساب الحرفية.
وترجمة الخطابة والشعر نموذج للاغتراب الثقافي، لا من حيث ترجمتها اللفظية، بل من حيث عدم احتوائها المعنى، وترك النص بلا تعليق، وهو أولى درجات التمثيل والاحتواء. الخطابة نموذج للترجمة اللفظية التي لا تبدأ بالمعنى، فتنتهي إلى الاغتراب الثقافي كما هو حادث في الشام والمغرب الآن؛ لذلك أصبح النص غير مفهوم؛ لأنه غير مخدوم من حيث المعنى ولا من حيث اللفظ. ويتساءل البعض: هل لجأ المترجم إلى ترجمة حرفية كانت تنتهي به أحيانا إلى عبارات لا تفهم؟ هل لم يكن لديه إلمام بالأدب اليوناني؟ هل لم يكن لديه إلمام بالثقافة العربية؟
10
ومهما حاول البعض تقويم عباراته، إلا أن الذوق العربي كان ينكر هذ الترجمات الحرفية. ووقف الجاحظ كأديب موقف الشك منها، كما وقف السيرافي النحوي منها موقف الازدراء والهزء بها؛ لذلك وقف الموروث في مواجهة الوافد، والأصيل ضد الدخيل. كانت ترجمات حرفية. إذا ما صادف السريان فقرة صعبة، اكتفوا بترجمة كل كلمة يونانية بكلمة سريانية، دون محاولة فهم العبارة أو السياق. وإذا جهلوا معنى كلمة يونانية، نقلوها بحروف سريانية، مثل ما حدث في تعريب الكلمات اليونانية في نشأة المصطلحات الفلسفية؛ لذلك حاولت الترجمة العربية تجاوز هذا النقل الحرفي إلى النقل المعنوي، وترجمة المعنى مباشرة، معاني الألفاظ والعبارات، معاني الكلمات أو السياق. أصبحت الترجمة السريانية حرفية لدرجة الجناية على المعنى. ومع ذلك كان حنين وحبيش أفضل المترجمين السريان تعبيرا،
11
وكانت ترجماتهما حرفية دون التضحية بالمعنى؛ لذلك لجأ المترجمون العرب إلى النقل من اليوناني مباشرة دون المرور بحرفية السرياني. أما الترجمات الشعبية الحرة لكتب الفلسفة الشعبية فلم تلتزم بالترجمة الحرفية، وعملت في النص الأصلي بالزيادة والحذف والتبديل، مؤثرة وضوح العبارة على سلامة الفكرة. وكان هذا هو اختيار بختيشوع.
وكتاب الشعر الذي ترجمه متى بن يونس نموذج الترجمة الحرفية، بالرغم من أنه مترجم ومفسر، بل إن البعض منهم كان متكلما، ينتسب إلى فرقة كلامية،
12
في لغته كلمات عامية أو عربية محرفة، يونانية وسريانية وفارسية حديثة دون عناية بالإعراب، متبعا ترتيب الجملة اليونانية، ومستعملا هو للربط بين أجزاء الكلام بدلا من فعل الكينونة، مع الإكثار من الرابطة، والحذف. لقد حرص على اللفظ اتباعا للحرفية، ومع ذلك حاول تقريب المعنى عن طريق التعريب بعد الاستقرار على المعنى؛ فالصوت أجنبي والمعنى عربي، حتى يأتي وقت يفرض المعنى فيه لفظه العربي. تأثر بلغة المنطق وعلوم الحكمة مثل المقولة والاستدلال، والكلية، والتصديق؛ فالمنطق معيار الكلام، والشعر أحد أجزائه. كما تأثر بلغة الأطباء؛ فقد كان الطب ثقافة شائعة، وأحد الدوافع على الترجمة.
13
هناك فرق بين الترجمة الحرفية والترجمة المعنوية؛ فالترجمة الحرفية فهمها نقل ثقافة الآخر إلى الأنا، والترويج لثقافة الآخر وطمس معالم الأنا، ولاء الأولى للآخر من أجل الهيمنة الثقافية نقلا، وولاء الثانية للأنا من أجل الإبداع الذاتي. الترجمة الأولى من الآخر إلى الأنا نقلا، بينما الثانية من الأنا إلى الآخر إبداعا. مهمة الأولى استيعاب الأنا في الآخر، بينما مهمة الثانية استيعاب الآخر في الأنا. في الأولى الأنا منغلق على ذاته ناقل لغيره، وفي الثانية الأنا منفتح على غيره محتويا للآخر ومعارفه، حتى يقضي على البؤر الثقافية الوافدة التي تسبب ازدواجية الثقافة، والقضاء على الوحدة الثقافية للأمة، والسؤال هو: هل الترجمة الحرفية أقدم من الترجمة المعنوية؛ لأن المصطلحات لم تستقر بعد أم لأنها نقص في براعة المترجم؟ قد تكون الترجمة الحرفية أقدم من الترجمة المعنوية وسبب وجودها، ولكن السؤال الأهم هو: هل الترجمة الحرفية سببها أنها تمت عن اليونانية مباشرة، وبالتالي لم تتحول إلى معنى في السريانية، أم أنها تمت عن السريانية أولا، فتحولت إلى لفظ متوسط، فكان احتمال الخطأ مرتين: مرة في الترجمة من اليونانية إلى السريانية، ومرة في الترجمة من السريانية إلى العربية؟