ومثل وحدة أعمال أرسطو هناك أيضا وحدة المنطق؛ حيث تتم الإحالات المستمرة من كتاب إلى آخر، دون تمييز بين منطق اليقين ومنطق الظن، كما تتم الإحالة إلى القياس وإلى الجدل،
6
وتظهر المقولات باستمرار حتى في التحليلات الثانية.
7
كما تحيل الخطابة إلى الطوبيقا وإلى أنالوطيقا وإلى الأقاويل المدنية (السياسة).
8
كما يحيل كتاب العبارة إلى القياس وإلى المواضع (طوبيقا أو الجدل).
9
وحدة مذهب أرسطو في داخل النص وليس فقط من تصور المترجمين والشراح.
10
فبعد الفراغ من الآثار العلوية يتناول الكون والفساد ثم تطبيقاته في الحيوان والنبات، وهناك إحالة إلى السماع الطبيعي في صلب موضوع السماء.
11
وكذلك الإشارة إلى السماع الطبيعي وما بعد الطبيعة في النفس إحالة في وسط النص.
12
وكما أن هناك وحدة الفلسفة اليونانية، هناك أيضا وحدة عمل أرسطو، بدليل الإحالات من كل علم إلى باقي العلوم؛ ففي الطبيعة تتم الإحالة إلى ما بعد الطبيعة وإلى الأخلاق.
13
وفي المنطق هناك إحالة إلى علم الأخلاق.
14
وقد بدأ ذلك عند أرسطو؛ فأرسطو ليس فقط فيلسوفا بل هو أيضا مؤرخ للفلسفة، يذكر آراء الأولين قبل أن يعرض لرأيه الخاص؛ فالتطور يسبق البناء، وهو ما فعل القرآن بتاريخ الأديان قبله، وانتقاد التجارب السابقة قبل أن يعلن بناء الموضوع.
15
وقد عرف المترجم العربي ذلك، فأدرج كلام أنبادقليس وأوميروس زيادة في الإيضاح، زيادة على نص أرسطو أي الاستشهاد بالنصوص نفسها لمزيد من الدقة بعد أن اكتفى أرسطو بذكر الفكرة وحدها.
16
والتعليق بداية إكمال النظرة الجزئية للنص في نظرة كلية عامة وشاملة، عن طريق المقارنات داخل الفلسفة اليونانية ذاتها، مقارنة النص داخل إطار حضارته قبل نقله إلى حضارة النص المنقول إليها، فإذا ما ذكر النص أفلاطون فإن التعليق يقارن بين رأيه ورأي أرسطو؛ فالموضوع عام وشامل غير مشخص، وما أفلاطون وأرسطو إلا آراء فردية فيه.
17
وهو ما سيتحول فيما بعد في مرحلة التأليف عن الفارابي إلى «الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون الإلهي وأرسطوطاليس الحكيم». يستعمل المترجم التعليق مستمدا من تاريخ الفلسفة اليونانية؛ أي وضع النص في حضارته التي نشأ فيها قبل نقله إلى الحضارة التي ترجم إليها.
18
وقد يشير التعليق إلى جماعة بعينها بدلا من الضمير؛ فهم تعني المشائين.
19
فإذا أورد المعلق شكوكا على النص، فإنه يحاول حلها بالرجوع إلى تاريخ الفلسفة اليونانية كله، من أفلاطون وشيعته، وأرسطو وشيعته والشراح مثل ألينوس. ويختار أحد الحلول ويرجحه على الأخرى ويحكم بحسنه، ويعبر عنه بأسلوبه الخاص وعباراته العربية السليمة، ويزيد عليه إثباتا لصحته، ويشارك في صياغته والبرهنة على جودته، حتى يصبح تأليفا غير مباشر في الموضوع.
20
كما يتناول الإسكندر الأفروديسي موضوع العناية ، ليس فقط في مؤلفات أرسطو، بل أيضا عند ديموقريطس وأبيقورس.
21
وبعد الحديث عن القدماء استمر الوعي التاريخي عند الشراح بعد أرسطو، بل أصبح أكثر ازدهارا.
22
وإرجاع النص إلى الفلسفة اليونانية يعني التفسير الحضاري للنص وإعطاء معلومات عنه، باعتباره نصا محليا إلى حضارة معينة وهي طريقة أرسطو مؤرخا؛ فالشارح أيضا مؤرخ للنص داخل حضارته، خاصة وأن نص أرسطو نفس حوار مع الفلاسفة السابقين؛ فأرسطو يمثل البنية والحضارة اليونانية قبله تمثل التطور، كما يفعل ابن رشد في «تفسير ما بعد الطبيعة» بالنسبة لفهمه لدور أرسطو في تاريخ الفلسفة اليونانية، ودوره هو بالنسبة لتاريخ الفلسفة الإسلامية، تأكيدا للتشابه على الدورين؛ لذلك يحتوي الشرح على ما سماه الأصوليون تحقيق المناط؛ أي تحويل النص إلى واقع، والحكم إلى تاريخ، والإشارة إلى الأشياء التي يشير إليها النص. وهي في هذه الحالة إحالة الأفكار إلى أصحابها، والآراء إلى الفلاسفة القائلين بها.