39
ويشمل تفسير الجزء بالكل أو إدخال النظرية في النسق، والألف الصغرى داخل سائر مقالات ما بعد الطبيعة، ثم إدخال ما بعد الطبيعة في العلوم النظرية (الطبيعية، التعاليم، العلم الإلهي) في مقابل العلوم العلمية.
40
وما يهم في التعليق ليس الموضوع بل الصورة، ليس الفكر بل بنية الفكر، الفكر كموقف حضاري وليس كنتيجة. يهدف التعليق إلى بيان المسار الفكري للمؤلف، لأرسطو مثلا، ماذا فعل من قبل؟ وماذا يفعل الآن؟ وماذا سيفعل فيما بعد؟ إرجاعا للجزء إلى الكل، والنص إلى السياق. ويربط بين باقي المؤلفات، سواء سائر كتب المنطق أو الطبيعيات أو الإلهيات . التعليق تفسير للنص بالنص، وشرح للنص بنفسه أو تفسير للنص بغيره، وشرح للنص في سياق باقي النصوص.
41
التعليق ربط بين أجزاء الكلام واستدلال على منطقه الداخلي، وإحالة إلى نصوص أخرى، وإيجاد لدلالة النص، فيتحول معناه إلى موضوع مستقل. هو جمع للمتفرقات ولم الشتات، ومحاصرة المعنى دائريا من استطراده طوليا إلى ما لا نهاية. كما يقوم التعليق بتلخيص الفصول وهو ما سيقوم به التلخيص فيما بعد.
42
ويحصي كل الأفكار الجزئية التي تكون القصد الكلي. ويفسر كل نقطة حتى تم بيان مراحل الفكر ومناهج الاستدلال وطرقه، ووضع المعاني كلها في أصول كما هو الحال في علم الأوليات
Axiomatics . وتتجاوز الأصول العبارة والفقرة والكتاب كله إلى ما بعده من كتب، من أجل معرفة التصور الكلي والشامل، وكشف الترتيب والتسلسل مع العقل والمنطق والاتفاق مع طبيعة الأشياء. مهمة التعليق بين مسار الفكر واستدلالاته ومراحل تكوين الخطاب. ويتضمن بيان مسار الفكر السابق واللاحق والانتقال من حجة إلى أخرى.
وقد يقوم المعلق بإيراد بعض الشكوك حول النص ويرد على كل منها، وكأن المعلق هو صاحب النص وواضع الفكر. وتبلغ دقة التعليق في تخيل الاعتراضات المسبقة على ما هو مألوف عند المسلمين في الكلام وفي الفقه في صيغة «فإن اعترض معترض» أو «فإن قال قائل». ويتم الرد عليه مسبقا في حوار متخيل بين الشاك المتشكك وبين فرفوريوس الذي يتقمص شخصية المعلق. يلخص المعلق التشكك ثم يرد عليه، وكلاهما من وضع الخيال.
43
ويكشف التعليق عن مسار الفكر عن طريق القلب، من الضد إلى الضد، ومن النقيض إلى النقيض، ومن العكس إلى العكس.
44
قد يكون التعليق شرحا للمعنى بالضد؛ أي ما لا يريده الفيلسوف وما لا يعنيه.
45
قد لا يشير التعليق إلى ما يريده النص إيجابا، بل أيضا إلى ما لا يريده سلبا.
ويبين التعليق الغرض من النص؛ فالمعنى أساسا قصد. وهو ما تحول بعد ذلك إلى عنوان في التأليف «في بيان غرض أرسطو في كتاب ما بعد الطبيعة» للفارابي. والشرح والغاية والغرض أوضح؛ وذلك لأنه تفسير للجزئي بالكلي، والمعنى بالقصد.
46
ويعاد التذكير بالغرض مرة ومرة حتى يتم احتواء المعنى، التفسير بالغرض هو توجيه للنص وتحريكه حتى يصبح نصا للاستعمال، وقد يتفق مفسران على بيان الغرض؛ نظرا لوجود فهم مشترك للنص،
47
وأحيانا يختلف المفسرون والشراح في فهم الغرض، حينئذ قد يقوم شارح ثالث للجمع بين الغرضين في غرض واحد، طبقا لنظرة متكاملة كلية للعمل،
48
لا فرق في ذلك بين الشراح اليونان مثل الإسكندر والشراح العرب مثل ابن السمح وابن عدي ومتى بن يونس وأبو الفرج وابن الطيب. التعليق شرح لغرض المؤلف سواء كان الغرض الكلي أو تقسيمه إلى أغراض فرعية،
49
ويطول التعليق مطلبا مطلبا حتى يصبح قولا شارحا.
كما يكشف التعليق عن غرض المؤلف وبيان المعنى والقصد البعيد الذي يرمي إليه.
50
وهو ما ظهر بعد ذلك في التأليف الشارح مثل «في بيان غرض أرسطو» في كتاب ما بعد الطبيعة. وبيان الغرض النهائي هو تفسير عن طريق الغاية والقصد، شرحا للفكر باعتباره مقاصد من البداية إلى النهاية، تفسير الجزء بالكل كما هو الحال في مقاصد الشريعة في علم أصول مقاصد الشريعة في علم أصول الفقه عند الشاطبي. وبيان الغرض هو معرفة المعنى، ومعرفة المعنى هو كشف عن الأصول والمبادئ للعالم كله. كل فحص له غرض وقصد، وكل غرض وقصد هو معنى ومعرفة؛ فالفكر مسار يتسلسل بعضه من بعض، ويتأسس بعضه على بعض، وينبني بعضه على بعض احتياجا. والفكر تساؤلات، والتساؤل بحث في مسار الموضوع وتأسيس للمعنى، ووضع لإشكاليات الفكر الوضع الصحيح. يكون التعليق في البداية للتعريف بالقصد الكلي للمقالة دفعة واحدة بفكرة رئسية وفي عبارة عربية غير مترجمة.