تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

158

ومما لا شك فيه أن المعرفة من النوع الأول يتفق عليها الناس جميعا. أما المعرفة من النوع الثاني فعليها خلاف، وهو العلم بذات الله، والعلم بذات الله مستحيل، والعلم بآثاره هو الممكن. أما النوع الثالث، رؤية الله، فهو مستحيل أيضا لأن الله ليس موضوعا للرؤية كما أنه ليس موضوعا للعلم. إنما العلم موضوعه كلام الله، أي الوحي كقصد نحو العالم وكنظام له، فإذا كان النوع الثاني مستحيلا فالأول والثالث ممكن. العلم بذات الله مستحيل، ومعرفة آثاره الطبيعية ونظمه الاجتماعية والسياسية ممكنة. ليس في إثبات الرؤية كموضوع أي مدح أو تعظيم أو ثناء عليه، بل يعني مجرد الكشف عن الذات الخالص وأخص ما يميزه وهو التعالي، وأنه من عالم المعاني وليس من عالم الأشياء. المدح ليس للذات أو لأفعالها، بل هو تمثل قيمة التعالي في الشعور.

159

وتحليل الرؤية تحليلا علميا يمنع من خلق الأوهام وبناء الأساطير، وهو كله مخالف للواقع، ولا يوجد حل وسط بين الواقع والوهم. فإما أن يرى الإنسان أو لا يرى، وليس هناك شيء لا يراه الإنسان أو أن يرى الإنسان لا شيء. ذلك هو كمال العقل، أما العلم فإنه يجوز فيه الخفي والجلي وتلك مهمة الإيضاح. يزداد يقين الإدراك بالجماعة، أي بالإدراك الجماعي والاتفاق في الرؤية، وذلك هو أحد مقاييس موضوعيتها. وكل حكم على الغائب فإنه يقوم بالضرورة على قياس الغائب على الشاهد والتعميم بالقياس وهو أساس الفكر الديني.

160

ولما كانت اللغة أساسا هي المعنى، فإذا تعارضت مع المعنى فالأولوية للمعنى. ولكن نظرا لا تعارض اللغة المعنى، وأن التحليل اللغوي لا يعارض التحليل العقلي. فإذا أعطت اللغة معنيين وأعطى العقل معنى واحدا، فإنه يؤخذ من معنى اللغة المعنى المتفق مع ما أعطاه العقل. وإذا استحال اتفاق اللغة مع المعنى أصبحت اللغة مجازا. والمجاز ليس خروجا على اللغة، بل هو من طبيعتها. المجاز حلقة الاتصال بين اللغة والعقل. إن وسيلة التعرف على الله العقل والوجدان وليس العين والمشاهدة؛ لأن الله لا يرى إلا بوسائل المعرفة على ما هو معروف في نظرية العلم، والمحسوسات أولى مراحل المعرفة بالإضافة إلى الوجدانيات والمعقولات والمتواترات. والله ليس شخصا أو ذاتا أو موضوعا ثابتا، بل حياة وحركة ونشاط. وإذا قيل إن النظر هو الانتظار، فمعناه توجه الشعور نحو شيء دون تحديد للشيء. كل شعور يتجه نحو شيء. بنية الشعور أنها تؤشر نحو شيء وتنطلق نحو شيء دون أن يكون هذا الشيء واقعة حسية في العالم الخارجي. ولا فرق بين المجسمة وأهل السنة وأصحاب الحديث ما دام المعبود مشابها للجسم، فإنه يكون مثله مرئيا بالإبصار بناء على الخبر وإن لم يكن بناء على تحليل الواقع أو اعتمادا على سلطة العقل أو على دوافع نفسية حددتها الظروف الاجتماعية للجماعة كما هو الحال في التجسيم. فلولا الخبر لما قيل بالتشبيه؛ لأن التشبيه تفسير خاطئ للخبر وعدم دراية بطبيعة اللغة وبوظيفة الصورة الفنية وبتعدد وسائل التعبير. لا يثبت الخبر شيئا، بل يعطي صورة فنية للإيحاء للجماهير بمعان نفسية ويوجهها نحو مقاصد واتجاهات في العالم. المقصود هو الأثر النفسي وليس إثبات الشيء المادي. التشبيه خطأ لغوي في الحقيقة والمجاز يصبح فيه المجاز حقيقة، وتتحول فيه الصورة الفنية إلى شيء مادي. لذلك يحيل البعض الإشكال كله إلى النصوص لحل التعارض بين الحجج النقلية وإلا فلا حيلة إلا التأويل.

161

الرؤية مطلب إنساني خالص يعبر عنه السؤال عنها وطلبها، ولكن لا يعني ذلك أنها ممكنة. وبهذا المعنى كل ما يطلبه الإنسان يكون موجودا كمطلب وحاجة. ويظل الفرق قائما بين عالم التمني وعالم الواقع، وعالم التمني أوسع نطاقا من عالم الموضوعات. ليس كل ما يطلبه الشعور يكون له وجود في الخارج وهو ما قاله القدماء من الفصل بين الوجود في الأذهان والوجود في الأعيان. إثبات الرؤية الموضوعية وقوع في النظرة الحسية الخالصة وبحث عن النعم والملذات، لا فرق في ذلك بين حسية ومعنوية. وهو نسيان للمجاز. الله حقيقة والرؤية معرفتها ومشاهداتها عن طريق التجربة. فالمعرفة الحسية يقين مثل المعرفة العقلية. موضوع الرؤية موضوع وجداني خالص شريف، يكشف عن شرف الموضوع أكثر من الموضوع بالفعل. ولما كان أشرف موضوع لا يرى إلا من أشرف ذات، فالله يرى نفسه ولا يراه غيره مما يدل على أن الموضوع كله إجلال وتعظيم وتمرين نفسي على مقتضى التأليه، تشريف وتعظيم وإحسان وتحقيق وعد ومكافأة.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٩٥