تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

147

وكذلك الله لا يمكن القول إنه يرى ذاته؛ لأنه لا ينقسم على نفسه. تثبت رؤية العين وتنكر رؤية الذات؛ لأن الأولى إثبات لرؤية الأشياء، في حين أن الثانية نفي لتجسيم الذات.

148

ويبدو من تحليل الرؤية أنها الرؤية المحدقية، وصلتها بالعلم وتحليل العين والأشعة، أي أنها إما جزء من تحليل عمل الحواس أو جزء من نظرية الإدراك، وفي النهاية جزء من نظرية المعرفة وليست من الإلهيات، وكأن رؤية الباري هي إحدى نقاط التطبيق من نظرية المعرفة ككل.

149

والخلاف بين إثبات الرؤية ونفيها هو الخلاف أساسا في المعرفة الحسية، هل هو مجرد انطباع حسي من الخارج إلى الداخل أم أنها مشروطة بالوعي أو الانتباه الداخلي، أي بشعاع مقابل من الداخل إلى الخارج. وقد توصل الفريقان إلى هذه التفرقة بين الإبصار والإدراك أو بين الرؤية والمعرفة. فالرؤية غير الإدراك. قد تكون هناك رؤية دون إدراك، وقد يحدث إدراك دون رؤية. والإدراك غير العلم. قد يكون هناك إدراك دون علم، وقد يقع علم دون إدراك. العلم ليس مرتبطا بالإدراك بالحاسة بل بالحياة، فالحياة شرط العلم وليست الحاسة. وقد يكون الإدراك بحاسة وقد لا يكون. فالحدس لا حاسة له، والشعور ليس له حاسة ولا آلة ولا حالا بآلة.

150

لا يتولد الإدراك من فعل خارجي فحسب، بل قد يتولد من أفعال الشعور الداخلية، مثل رؤية ترابط المعاني واستنباط معان جديدة.

151

لا يتم الإدراك إلا بشعاع من المرئي إلى العين يقابله شعاع آخر من العين إلى المرئي وهو الانتباه والوعي أو الاهتمام أو القصد. الأول انطباع حسي خالص والثاني إدراك ورؤية.

152

فالوجود ليس هو شرط الرؤية الوحيد، بل وجود الرائي الذي ترجع له اختلافات الرؤية.

153

وتعليق الرؤية بآلة تأكيد على نفي رؤية العين، ولكنه ليس نفيا لرؤية الماهيات، ليس فقط إحاطة بها، بل إدراكا لها. فالماهيات ليست امتدادا حتى يمكن الإحاطة بها، بل تقوم بتوجيه الشعور إلى منطقة حقيقية وإلى لب الأشياء. الخطأ هو وضع المعاني على مستوى الأشياء وتحويل الماهيات إلى وقائع، وفقد الشعور لموضوعه وتحويله من شعور مليء إلى شعور خاو. الخطأ هو قلب الماهيات والقضاء على كل صفات الماهية من شمول وعموم ومعيارية. لا تعني الرؤية تقليب الحدقة طبقا لبعد العين عن الموضوع، بل تعني إعمال الشعور أو النظر في مضمونه، أي محاولة الإيضاح والاستبصار. فالرؤية ليست معطاة سلفا، بل هي عملية توضيح.

154

ولا ينفي خداع الحواس المعرفة الحسية، فالشعور قادر على تجاوز هذا الخداع، ويمكن تفسيره عمليا بتحليل عمل الحواس وشروطها وموانعها.

155

فالحس ذاته مشروط بعوامل لا حسية مثل وعي الشعور ويقظته وانتباهه واهتمامه تأكيدا للفرق بين الانطباع الحسي والإدراك الحسي. فقد يحدث الانطباع دون الإدراك، وقد يحدث الإدراك دون الانطباع عن طريق الحدس العقلي.

156

إن الحس والمشاهدة قادران على إعطاء تجارب حية تكشف عن المعنى والقانون والماهية. وتتم الرؤية في الزمان الشعوري وليس في الزمان المكاني، وليس بالضرورة في الآن دون استرجاع الماضي أو استباق المستقبل، وما دامت الرؤية ممكنة بعد أن توفرت شروطها في الرائي لعدم استمرارها.

157

الرؤية إذن اقرب إلى رؤية العلم، أي رؤية الشيء في الشعور بعد العلم به دون ما حس أو شعاع أو عين أو موضوع، رؤية يشعر بها الإنسان في قلبه كحالة شعورية لموضوع شعوري، هي رؤية الكشف العلمي، رؤية الموضوع في الشعور أو حدس الماهيات.

موضوع الرؤية إذن مرتبط بنظرية العلم ووسائل المعرفة: هل تتم معرفة الشيء بآثاره أم بذاته أم برؤيته رؤية العين؟ وهو ما يماثل درجات المعرفة عند الصوفية، المعرفة الحسية والمعرفة العقلية والمعرفة القلبية، علم اليقين، وحق اليقين، وعين اليقين، وهي المعرفة التي استمد منها الفلاسفة أيضا أنواع المعارف العقلية.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٩٤