تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

93

وترتبط الرؤية بالعدل وذلك لأن نفي الرؤية مبدأ وليس عادة حتى لا يطعن في العدل. فلماذا يمنع الله نفسه عن البعض ويكشف عن نفسه للبعض الآخر؟

94

وقد لا تذكر الرؤية مطلقا في بعض المؤلفات المتقدمة، ويحل العمل في الجواز محل الرؤية في العقائد المتأخرة عند اكتمال البناء النظري للصفات في أحكام العقل الثلاثة.

95

ولما تحول مبحث العدل كله عند المتأخرين إلى مبحث التوحيد فيما يجوز على الله في أحكام العقل الثلاثة، انتقل موضوع الرؤية من العدل إلى التوحيد من جديد.

96

فدخل فيما يجوز على الله، سواء في الصفات أو في الأفعال.

97

وبالتالي تدخل الرؤية ضمن أحكام الجواز.

98

وبالتالي يرجع الفضل للمتأخرين في نقلها من الاستحالة والوجوب كما هو الحال عند المتقدمين إلى الجواز أو الإمكان، أي أنها مسألة فرعية لا تخص جوهر الذات وصفاتها، ليست في لب التوحيد. وقد يترك الجواز عامة دون إعطاء مثل الرؤية مما يدل على تناقض أهميتها تبعا لاختلاف الظروف والدوافع.

99

وقد تأتي في آخر مبحث الذات والصفات معا.

100

وقد أعدنا نحن نقل الرؤية من حكم الجواز إلى حكم الاستحالة، كما نقلنا العدل من حكم الجواز إلى حكم الوجوب. فالرؤية مستحيلة، وكان بالفعل أنسب وصف توضع فيه استحالة الرؤية هو القيام بالنفس؛ لأن الرؤية تتطلب المحل، والقيام بالنفس ينفي المحل. وهي ليست من الأصول، ويمكن استغناء التوحيد عنها كأحد مكوناته. فنفي الرؤية في النهاية من الأوصاف السلبية ومن صفات التنزيه، أي أنها من تحديدات النفي.

وهناك ثلاثة مواقف في موضوع الرؤية: الأول إثبات الرؤية الموضوعية إما مع المقابلة أو بلا كيف، وهما موقفا التجسيم والتشبيه، والثاني إثبات الرؤية الذاتية طبقا لحالات الأفراد وقواهم النظرية والعملية، والثالث نفي الرؤية الموضوعية كلية وهو موقف التنزيه.

101

وكل موقف يعتمد على حجج نقلية وعقلية، ولكن الغالب هي الحجج النقلية مما يدل على أن موضوع الرؤية سمعي خالص، وبالتالي يجب استبعاده من موضوع العلم طبقا لنظرية العلم التي تكون فيها الحجج النقلية ظنية خالصة.

102

لا تثبت الرؤية سمعا فحسب، فالعقل أساس النقل، وبالتالي يظل الموضوع كله ظنيا ولا يتحول إلى موضوع يقيني إلا بحكم العقل.

103

بل إن إثباتها في الدنيا شرعا عليه خلاف وبالتالي ينتفي عنها الإجماع الشرعي والإجماع نفسه يحتاج إلى إثبات صحة تفسير وإبطال آخر. الإجماع ذاته خاضع للتفسير والفهم، متغير وخاضع لتطور فهم اللغة ومتغير بتغير الظروف وباجتهاد كل جيل، ويمكن خرقه بإجماع آخر أو باجتهاد. لا يثبت الإجماع إلا أمورا عملية وليست أمورا نظرية. والدليل النقلي حتى ولو كان إجماعا متواترا لا يقطع في مسألة نظرية أصولية.

104

ومهما كان العقل قادرا على إيراد حجج، فإنه لا يستطيع في أمر متعال كهذا باعتراف الأصوليين،

105

فليس أمامهم إلا السمع، والسمع ليس حجة عقلية بل ظنية. ولما كانت الرؤية لا تثبت إلا سمعا، والإلهيات تقوم على العقل، كان موضوع الرؤية خاصة الرؤية في الآخرة أقرب إلى السمعيات وأدخل في المعاد خارج نظرية الذات والصفات والأفعال التي تقوم على أحكام العقل الثلاثة. فالموضوع متعال وحجته ظنية، وبالتالي فهو خارج الإلهيات والعقليات طبقا لمقاييس القدماء. ولا يصبح موضوعا لعلم أصول الدين إلا إذا كان موضوعا عينيا من خلال التجربة الإنسانية الخاضعة لتحليل العقل. وقد تكون في نهاية الأمر مسألة معرفية خالصة، رؤية المعاني وإدراكها وبالتالي فهي جزء من نظرية العلم.

106 (4-1) هل يمكن إثبات الرؤية الموضوعية؟

وتعني الرؤية حينئذ رؤية الله بالعين كرؤيتها للأشياء مع المقابلة وبشرط الضوء والأشعة والملامسة والجهة والملاقاة والمداخلة. فإذا كانت الرؤية من جهة الفوق فذلك لأن الفوق أشرف من التحت، والرؤية من عل تكشف أكثر من الرؤية من أسفل، أكثر شمولا واتساعا واكتمالا من الرؤية الجزئية الحسية الجانبية. الأولى رؤية العقل والثانية رؤية الحس.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٨٥