والقدم ينافي تأثير المختار؛ لأنه مسبوق بالقصد المقارن لعدم الأثر، في حين أن الحدوث هو الذي يستند إلى المختار أو إلى قصد الإيجاد. وجود الحادث وجود قصدي، أي أن الوجود يوجد في لحظة الشعور به، فيخلق العالم في قصد الإيجاد. وهذا هو الحادث الذاتي أو الحادث القصدي. ولماذا يكون من خصائص نفي التأثير والاختيار وانعدام القصد والغائية؟ إذا كان الاختيار تعبيرا عن الحرية، والتأثير تعبيرا عن الفاعلية، والقصد والغائية تعبيرا عن الحياة، فلماذا يتصور القديم بلا حرية أو فاعلية أو غائية أو قصد؟ لماذا يكون القدم موتا وفراغا وسكونا وثبوتا وتوقفا؟
44
لذلك ارتبط القديم بموضوع الحسن والقبح والصلاح والأصلح والغائية، فالقديم عند المعتزلة يفعل ما يفعل لحسنه، وعند الأشاعرة من غير تقدير.
45
وكيف يمنع القديم الغائية، والغائية هي بناء الوحي، والوحي كلام، وهو صفة للقديم كما يتصور القدماء؟ كيف يكون إثبات القدم قضاء على الغائية، والقضاء على الغائية قضاء على استقلال الإنسان عقلا وشعورا وفعلا، هذا الاستقلال الذي هو غاية الوحي واكتماله فيه.
46
وتمثل الكرامية أكبر رد فعل على وصف الذات بالقدم، فالله لديهم ليس قديما بل محلا للحوادث، تقوم الحوادث به، والحوادث تحتاج إليه في الإيجاد إما بالإرادة أو بأمر كن، وهو ما يعطي الفاعلية لله، فيجعل الله هو التاريخ، والتاريخ هو الله.
47
فالاعتراضات على القدم قوية مثل أن القبلية ذاتية وفعل وحركة ونشاط وليس قبلية صورية فارغة، وأن صفات الكمال يمكن أن تتجدد وتتلاحق، وتنتقل من كمال إلى كمال، وأنه ما دام لكل صفة حادث ولهذا الحادث حادث، والذات لا تخلو عن الشيء وضده، فما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وهو باعتراف الأشاعرة الذين يتصورون أن الله شيء.
48
ويزيد الكرامية على هذه الاعتراضات اعتراضات أخرى، مثل أن الصفات لا تتصور إلا بالحوادث مثل السمع والمسموع، والبصر والمبصر ... إلخ. سمع الباري ما لم يسمع قبله ورأى ما لم ير قبله، فيجب أن يحدث له تسمع وتبصر. فلا ذات بلا موضوع ولا إله بلا عالم، وإن القدم بمعنى عدم سبقه بالعدم ليس تعريفا للقدم ومبررا له، وإن الله صار خالقا للعالم بعد أن لم يكن، وهي نفس الحجة لإثبات قدم العالم بقياس العالم على الله، ولكن هنا بقياس الله على العالم.
49
الصفات حادثة بذات «الله» لأنه خلق العالم، ومعنى ذلك أنه محل للحوادث، لم يكن فاعلا للعالم ثم صار فاعلا له. يمكن إذن تسميته حادثا أو حالا. وهو أقرب إلى معنى
كل يوم هو في شأن .
50
أقواله وإرادته وإدراكه للمرئيات والمسموعات، أعراض حادثة فيه. قوله للشيء «كن» خلق للمخلوق وإحداث للمحدث. وقوله للشيء «افن» إفناء للمخلوق. لا يموت شيء في العالم إلا بعد حدوث أعراض كثيرة في ذات «الله»، منها إرادته لحدوث ذلك الحادث، وقوله «كن»، وهو قول بألفاظ حادثة وأعراض، ورؤية تحدث فيه يرى بها الحادث. لا يعدم شيء من العالم إلا بعد حدوث أعراض كثيرة فيه، إرادته لعدمه أو قوله «افن». والحوادث الحادثة في ذلك الإله أضعاف أضعاف الحوادث من أجسام العالم وأعراضها.
51
في ذاته حوادث كثيرة مثل الأخبار عن الأمور الماضية والآتية والكتب المنزلة والقصص والوعد والوعيد والأحكام.
52
وما يحدث في ذاته يحدث بقدرته وما يحدث مباينا لذاته يحدث بواسطة الأحداث، أي الإيجاد والإعدام الواقعين في ذاته بقدرته من الأقوال والإرادات. والمحدث ما باين من الجواهر والأعراض، وهذا هو الفرق بين الخلق والمخلوق، والإيجاد والموجود. وهنا تبرز فاعلية الله ونشاطه في العالم، وتصبح حركة العالم جزءا من ألوهيته، وقوانين التاريخ صفاته، «الله» هنا بمثابة الوعي التاريخي. ولما ذاعت الكرامية كفرقة ضاع الوعي التاريخي من وجداننا القومي. ولما استقرت الأشعرية كفرقة رسمية للدولة استقرت السلطة وأصبح لها الأولوية على كل شيء بلا شعب ومؤسسات كما أن لله الأولوية على العالم بلا حوادث ولا تاريخ. تركز الكرامية إذن على الضد، ليس على القدم بل على الحدوث، وتقلب علاقة الواجب بالمستحيل، فالواجب هو الحدوث والمستحيل هو القدم.