28
وقد يعني القديم أن وجوده غير مسبوق بعدم أي إثبات نفي عدم سابق، إذ إن الوجود مستمر منذ البداية.
29
والقديم في اللغة هو المتقدم على غيره في الوجود، وهذه في صفات البشر. أما في صفات الله فإنه يعني أنه لم يزل بلا ابتداء ولا انتهاء، لم يزل ولا يزال، تقدم على غيره في الوجود، هو الأول والآخر، المتقدم على جميع المحدثات لا لغاية.
30
وأنكر البعض أن الله كائن متقدم على المحدثات، وأثبت معنى قديم أنه لم يزل ومعنى لم يزل أنه قديم.
31
القديم هو المتقدم في الوجود على شريط المبالغة ولا يتخصص بالذي لا أول لوجوده، أي أنه يطلق أيضا على التقدم المتقادم في الحوادث. فاللغة تسمي ما تقادم وعتق قديما.
32
وهنا يظهر مضمون القدم وهو الزمان. فالقديم ما لا يجري عليه زمان.
33
الزمان عرض متجدد. والتجدد لا يجوز على الله. والزمان عند الفلاسفة جوهر مجرد، واجب لذاته، لا يجوز عليه العدم أو حركة الفلك الأعظم، ولكن وجود «الله» منزه عن الزمانية. ولكن كيف يفعل «الله» ولا يتم فعله في أوقات ولا يلزم الزمان المتجدد؟
34
وماذا تعني إذن
كل يوم هو في شأن ؟ وأيهما أكثر إجلالا، الزمان الثابت الرتيب أم الزمان المتجدد الخلاق؟ ولا يعني أن الله قديم أنه لم يزل كائنا قبل أن يخلق الزمان وحده، بل وقبل أن يخلق المكان أيضا، فالقدم قدم في الزمان والمكان؛ لأن القدم مقولة في الزمان وليست في المكان.
35
وكما أنه ليس في مكانه، فإنه لا يكون أيضا في زمان؛ لأن نفي المكان يقتضي بالتبعية نفي الزمان. والمكان له أول وآخر، أي أنه يعرف بالزمان ويقرن به، بالبداية والنهاية، لم يزل ولا يزول، الزمان كله أو الأبدية.
36
لذلك يستعمل لفظ أزلي أيضا بمعنى قديم، الأزلي ما لا أول له، والأبدي ما لا نهاية له، والسرمدي ما لا أول له ولا نهاية. وهذا هو الإحساس الفلسفي التقليدي بالتأليه، الأول والتقدم، موجود قبل الخلق.
37
حتى ولو كانت هناك أولوية في الزمان، فالزمان لا يكون بالضرورة زمانا طبيعيا. الزمان إنساني خالص، وما الزمان الطبيعي إلا إسقاط من الزمان الإنساني: الأشياء لا تعيش في الزمان، الإنسان هو الموجود الزماني الوحيد. ويكاد يتفق المتكلمون والحكماء على معنى واحد وأخير للقديم، وهو الذي لا أول لوجوده،
38
والمتقدم على جميع المحدثات.
39
ولا يعني القول بأنه لا أول له أنه أزلي.
40
فالأزلية إطلاق ومنع لكل مظاهر النقص الإنساني.
41
على أية حال لفظ الأول لفظ شرفي
هو الأول والآخر
على عكس لفظ القديم الذي لا يطلق إلا إجماعا.
42
ولكن ماذا يعني الأول؟ يعني الأول أنه لم يزل كائنا ولا شيء سواه. ولا يصح الوصف بأنه موجود إلا وهو عالم بأشياء غير كائنة، أي أنه الأول نظرا وعملا، معرفة ووجودا، وهذا عند من يرى أنه لا شيء إلا وهو موجود.
43
وعند البعض الآخر الأول لم يزل موجودا ولا شيء سواه موجود، وإن كانت الأشياء يعلمها أشياء غير كائنة. وفي حقيقة الأمر أن الأول يطلق على عدة معان. فالأول هو الواحد الرياضي الذي منه تبدأ سلسلة الأعداد، وهو في الحقيقة ليس مطلقا لأن هناك −1، −2، وهي الأعداد السلبية. وهناك الأول المنطقي السابق على التجربة، الأول في نظرية المعرفة، ولكنه أول عقلي خالص مشروط بوجود الذهن. وهناك الأول الكوني الذي يمكن معرفته من دراسة نشأة الكون، وهو أول طبيعي نسبي وليس أولا صوريا مطلقا. وهناك الأول بالنسبة إلى الزمان بمعنى السبق، فالأب أول بالنسبة إلى الابن، ولكنه أول يحتاج إلى آخر وليس أولا مطلقا. وهناك الأول من حيث الجهد والمنافسة في السباق، وهو أيضا أول نسبي. وهناك الأول بالنسبة إلى الشعور وهو نشأة الشيء فيه، وأول ما يتبادر إليه، وهو أول نفسي خالص مشروط بحالة الشعور. لم يبق إذن إلا الأول من حيث الشرف والرتبة أو القيمة وهو «الله». فالذي لا أول له إذن ليس حكما على موضوع أو قياسا لشيء، بل تعبير عن مبالغة إنسانية عندما يوصف بحر بأنه لا أول له أو طابور أو شارع طويل بأنه لا أول له. فهو أسلوب إنشائي للتعبير عن صيغة المبالغة التي تستعمل أيضا للتعبير عن «الله» عندما يوصف بأنه لا أول له. والمبالغة وصف أدبي إنشائي وليست وصفا خبريا موضوعيا. الواقع له أول ونهاية، ومحدد ذو أطراف. لذلك كانت التعبيرات الدينية جزءا من التعبيرات الأدبية، والتجربة الدينية لون من ألوان التجارب الأدبية، فعلماء الكلام أدباء بلا أدب، وشعراء بلا شعر. والصوفية أنجح أسلوبا وأكثر توفيقا عندما عبروا عن مواجيدهم بالشعر، فهم أصحاب تجارب وأصحاب قريحة، والمتكلمون دعاة سلطة أو قادة معارضة، أهل جدل وخطابة وأقلهم أصحاب برهان.