تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10 (2) دليل الحدوث

تبدأ الإلهيات عند القدماء بدليل الحدوث وإثبات العلم بالصانع، مما يدل على أن دليل الحدوث كله الذي نشأ على مبحث الجواهر والأعراض في مبحث عوارض الأجسام ما هو إلا مقدمة للإلهيات دون أن ينفصل عنها، ونقطة انتقال من العالم إلى ما وراء العالم، من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة.

11

فالحديث عن الجواهر مقدمة للحديث عن الأعراض، والحديث عن الأعراض مقدمة لدليل الحدوث. وقد تأتي مقدمات عقلية لإثبات الحدوث دون الاكتفاء بالحس والمشاهدة للتغير، حركة وسكونا.

12

فماذا يعني الحادث؟ وما هو الحادث؟

يعني الحادث «الذي كان بعد أن لم يكن»، أي إنه وجود في الزمان وحركة من الماضي إلى الحاضر، وهو موجود من عدم وكأن الوجود قائم على عدم ومنبثق منه وصادر عنه. ولما كان العدم عند معظم الإسلاميين «نفي محض غير مستمر على صفة من صفات الإثبات، فلا يتحقق ترتيب شيء عليه»، فكيف يمكن إقامة الحدوث عليه، ثم إقامة دليل على وجود الذات ابتداء من الحدوث؟

13

ثم إن هذا التعريف يعتمد على مسلمة مطلوب إثباتها، وهي نظرية الخلق من عدم، فتعريف الحادث بأنه «ما كان معدوما ثم صار موجودا» ينبني على هذه النظرية في مقابل تحول الكائنات. والحادث قد يكون تحولا وتغيرا في الكون وليس بالضرورة خلقا من عدم.

14

وقد يعني الحادث «الوجود الذي له أول»، وهو تعريف متناقض، فإن أول الحادث هو نفسه ويستحيل أن يكون الشيء أول نفسه، وإن كان له حادث هو غيره لزم التسلسل إلى ما لا نهاية.

15

وقد يكون الحادث هو «المتأخر بوجوده عن الأزلي»، وهو خلط بين التقدم بالزمان والتقدم بالمرتبة على ما هو معرف من تمييز بينهما في موضوع النسبة في مبحث الأعراض في نظرية الوجود.

16

وقد يكون من معاني الحادث المنفتح وجوده، وهي صورة تشبيهية، فالوجود ليس منفتحا أو منغلقا إلا كصورة شعرية. الانفتاح والانغلاق إما مفاهيم طبيعية حركية أو هندسية، وإما صور فنية تعبر عن أحوال شعورية. فالوجود المنفتح هو القابل للحركة والسكون وسائر الأعراض، وهذا دليل على أن مفاهيم العلم مفاهيم إنسانية خالصة.

17

وقد يكون الحادث هو الشيء، و«الله» مشيئ الأشياء، وفي نفس الوقت لا يتصف بكونه شيئا.

18

وهو تعريف متناقض، يقوم بخطوة إلى الأمام في إثبات الشيء كما يفعل الفكر الطبيعي، ثم بخطوة إلى الخلف في جعله تابعا لشيء آخر كما يفعل الفكر الديني. وقد يكون الحادث عين وجود الحادث أو وصفا زائدا عليه. فإن عين وجوده هو تحصيل حاصل. وإن كان وصفا زائدا عليه فهو أنه وجود بعد عدم، وهو ما يرجع إلى المعنى الأول.

19

هذه التعريفات كلها إذن قاصرة على أن تعرف الحادث أو أن تصوغ له معنى. وهذا يدل على أن الحادث نفسه مفهوم ديني صرف يتضمن حكما مسبقا يدين الشيء لصالح القديم، فهو مفهوم نسبة أو إضافة، لا يعقل معناه إلا بالنسبة للقديم، له معنى متضايف، ولا يفهم إلا بالاقتران. ولما كان الشيء المقرون به هو المطلوب إثباته استحال التعريف وعقل المعنى.

وقد يأخذ الدليل شكلا خطابيا إنشائيا مكتفيا بالاعتماد على الحس والمشاهدة دون صياغة التجربة الحسية في مقدمات عقلية وقياسات منطقية واستدلالات صورية كما سيحدث في علم الكلام المتأخر فيما بعد. والحقيقة أن هذه التجربة الحسية ليست بريئة تماما عن كل إيمان مسبق، بل هي مرتبطة بإيمان ديني قوي يجعل التناهي والحصر والعد والإحصاء والزيادة والنقصان مقدمات خطابية سريعة لإثبات واجب الوجود. لا تقوم إذن كل صياغات دليل الحدوث على مقدمات عقلية من أجل الوصول إلى نتائج منطقية، بل يكون بعضها مجرد عبارات إنشائية تعبر عن عواطف التعظيم والإجلال وعلى مقولات بدائية يقوم معظمها على التشخيص الساذج. ولا ترمي هذه الصياغات إلى إثبات الذات المشخصة، بل إلى إثبات صفاتها من علم وقدرة وخلق وتنزيه، وكأن إثبات الصفات يسبق إثبات الذات، وكأن الأعراض توجد بلا جوهر، وكأن العربة تسبق الحصان!

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٣