تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

وتتعدد براهين إثبات الذات بالنسبة إلى تعدد العلوم وتطور مراحلها. فمثلا في المراحل الأولى كانت البراهين غير متميزة وغير منظرة، بل كانت تعتمد على الآيات القرآنية، مثل:

أفي الله شك ...

أو

ولئن سألتهم من خلقهم ... ، وهي أدلة فطرية توحي بدلالة الصنع على الصانع وتعتمد على أوائل المعقول وبداهات الحس وشهادات الوجدان اعتمادا على نظرية العلم الأولى؛ لذلك لم يرد التكليف بمعرفة الصانع لأنها معرفة فطرية، بل إن صفاته أيضا يمكن معرفتها بالفطرة.

6

كانت مقدمات الأدلة أيضا آيات قرآنية، مثل:

أمن يجيب المضطر ... ،

قل من ينجيكم ... ،

أمن يبدأ الخلق ... . وعلى هذا النحو لم يكن هناك فرق بين موقف الأشاعرة وموقف الصوفية. لم تفترق إذن الأدلة، دليلا الحدوث والإمكان عن العواطف الصوفية عندما يتحد التحليل العقلي القائم على القسمة مع المواجيد الصوفية.

بعد ذلك خرج دليل الحدوث لإثبات الصانع من نظرية الوجود، بل ويبدو أحيانا وكأنه بديل عنها.

7

وارتبط، خاصة لإثبات مقدمته الأولى «العالم حادث»، بمبحث الجوهر والأعراض في نظرية الوجود ارتباطا وثيقا، حتى إنه ليصعب التفرقة بين المادة الواحدة في موضوعين مستقلين، وحتى انتشرت الطبيعيات في كلا الموضوعين. فالطبيعيات ما هي إلا حديث في دقيق مسائل التوحيد لإثبات فروع الأصول التي يقوم التوحيد عليها. بل إن كل مسائل الطبيعيات لم تكن إلا مقدمة للإلهيات أو أنها إلهيات مقلوبة على الطبيعة كما هو الحال أيضا في الطبيعيات عند الحكماء. وأن كل نظريات المتكلمين في المجاورة والملامسة والاعتماد والتأليف والاجتماع والافتراق إنما أتت من خلال دليل الحدوث وإثبات حدوث الأعراض كمقدمة لإثبات حدوث العالم. ويصل أحيانا إلى درجة أنه يصعب التفرقة بين دليل الحدوث وبين إثبات الذات، الموضوع الأول في الإلهيات. بل إنه يصعب التفرقة فيه بين أوصاف الذات وبين الطبيعيات؛ لأنها كلها تشير إلى الخصائص الطبيعية، مثل الحدوث والفناء والجهة والمكان والزمان والحد ... إلخ.

8

وبعد ذلك حدث تمايز بين المتقدمين والمتأخرين، سواء في براهين المتكلمين أو في براهين الحكماء، إن لم يكن على مستوى المضمون فعلى الأقل على مستوى اللفظ. ففي حقيقة الأمر هي براهين واحدة لها بناء عقلي واحد، تقوم على نفس التصور للعالم وعلى نفس الموقف منه، وتؤدي إلى نفس النتائج. إنما الخلاف في الألفاظ التي تشير إلى درجة التجريد. فالحدوث هو الإمكان، ولكن اللفظ الأول أقرب إلى الطبيعة في حين أن الثاني أقرب إلى ما بعد الطبيعة. والمحدث هو الواجب، ولكن اللفظ الأول أيضا أقرب إلى الطبيعة، والثاني أقرب إلى ما بعد الطبيعة، استعمل المتقدمون ألفاظ الطبيعة وكانوا قريبي العهد من مبحث الجوهر والأعراض، في حين استعمل المتأخرون ألفاظ ما بعد الطبيعة. فالانتقال من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية هو انتقال من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة، من الحس إلى العقل، ومن التشبيه إلى التنزيه، من مرحلة أقل تجريدا إلى مرحلة أعلى تجريدا. وقد حدث ذلك بعد سيادة علوم الحكمة على علوم الكلام بعد القرن الخامس عندما بدأ الكلام يحدد نفسه بالنسبة لهذا الخطر الداخلي الجديد وعلى رأسه قدم العالم، فتحول دليل الحدوث القائم على الجوهر والأعراض إلى تفنيد شبه قدم العالم. فلما مثلت علوم الحكمة خطرا على علوم التوحيد، بدأ الكلام في رفض نظرية قدم العالم وما يتبعها من نظريات الفيض والصدور والعقول العشرة ... إلخ،

9

وكأن الهجوم على علوم الحكمة في القرن الخامس لم يفعل أكثر من أنها غيرت وجهتها وتحولت من علوم مستقلة إلى علوم دخيلة على العلوم الأخرى وفي مقدمتها علم التوحيد، أساس العلوم كلها. وقد استغرق دليل الحدوث معظم اهتمامات القدماء باعتباره أول الأدلة. وما يقال بعد ذلك من دليلي الجوهر الفرد أو دليل الإمكان إنما يتم على نفس المنوال، فالبناء واحد وإن اختلفت الألفاظ ودرجة التجريد.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٢