تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

64

| خاتمة

التوحيد العلمي

توحيد الذات والصفات إذن ليس توحيدا عن طريق إطلاق قضايا موجبة مثل: «الله عالم» أو سالبة «الله ليس جاهلا»، بل هو توحيد عملي عن طريق تحقيق الأوصاف الستة، والصفات السبع، والأسماء التسعة والتسعين في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية. فإذا ما تحققت هذه الصفات بالفعل فلن تدخل كمحمولات في قضايا خبرية أو إنشائية يكون «الله» فيها موضوعا؛ لأن الله هو وعي الإنسان بذاته مدفوعا خارج العالم بعيدا عن الإنسان منفصلا عنه متحجرا جامدا مهما حاول الإنسان معاودة الاتصال به عن طريق الصلاة والعبادة والشعائر (الفقه) أو عن طريق الابتهال والدعوة والمناجاة (التصوف) أو عن طريق التأمل والنظر والحكمة (الفلسفة). وقد فرق الفقهاء قديما بين التوحيد النظري وهو توحيد الذات والصفات وبين التوحيد العملي وهو تحقيق الصفات في حياة الأفراد والجماعات.

1

وقد تنبهت إحدى الحركات الإصلاحية الحديثة إلى التوحيد العملي، وجعلت همها إعادة بناء التوحيد الذي هو «حق الله على العبيد»، وليس الذي هو «حق العبيد على الله»، أي أن الله ما زال هو المركز والغاية، والبؤرة والقصد. فإذا كان حق الله على العبيد هو تحقيق الرسالة والدعوة المبلغة وهو كون الإنسان خليفة الله في الأرض فإن حق العبيد على الله هو حقهم في استرداد وعيهم المتحجر خارجا عنهم وأمانتهم على الرسالة وتحقيقها في العالم. علاقة الإنسان بالله علاقة حق متبادل. فإذا كان القدماء وبعض المصلحين المحدثين قد ركزوا على حق الله على الإنسان، فإن موقفنا الحالي يحتم علينا بيان حق الإنسان على الله خاصة في هذا العصر الذي ضاعت فيه حقوق الإنسان وما زالت تضيع.

2

كان التوحيد النظري قديما في خطر نظرا للالتقاء الحضاري والتشابك العقائدي بين الأديان والمذاهب والمجاورة بين الملل والنحل. ولكن التوحيد العملي كان سائرا مؤثرا فعالا محركا ومنتصرا. ولكن في هذا العصر، والتوحيد النظري في أمان، بصرف النظر عن الغزو الثقافي ومظاهر التغريب. ولكن التوحيد العملي في خطر، في موقف وسكون، وتحول إلى توحيد فارغ بعد أن ضاعت الأرض من جوفه، وهزمت الأمة، وانهارت الدولة.

3

وقد تم التركيز في الحركات الإصلاحية الحديثة على نقد الشرك العملي وليس على تحليل الشرك النظري أي نقد استعمال الرقى والتمائم وكل مظاهر التوسط بين الإنسان والله من الأموات والأحياء، من الإنس «والجن» من أجل التأثير على العالم.

4

فالعمل، والعمل وحده هو المؤثر في العالم، ويقوم على العلم بالأسباب لا على الأعمال الرمزية التي يسقطها الشعور الجاهل على الواقع. فالأول فعل والثاني لا فعل. ولا استثناء في العمل القائم على العلم بالأسباب. حتى ولو تراكمت الشواهد على حدوث وقائع معينة، فإن ذلك لا يعني وقوعها «بالعين والحجة»، بل لأسباب طبيعية ما زلنا نجهلها حتى الآن. وبتقدم العلوم والمعارف واستقرار قوانين الطبيعة يمكن معرفتها. ولا تعني الأسباب الأسباب المادية وحدها، بل يمكن أن تكون نفسية كالإيحاء والتأثير والتوجيه. ولكن في عصر يغلب عليه التركيز على العوامل النفسية فإن المصلحة العامة تقتضي عزل الموقف والتركيز على الأسباب المادية وحدها حتى ولو أدى ذلك إلى قصور في النظرة العلمية. فمصلحة الجماهير وتربيتها ثقافيا أولى من المعادلة العلمية المتزنة لمجتمع مستقر ومتقدم وعلمي. الشرك هو قطع الصلة بين الأسباب والمسببات بتمائم ورقى وتبرك بشجرة أو حجرة أو استعاذة بمخلوق أو استعمال لسحر أو استعانة وتعوذ بشيء. لا تأتي المعرفة إلا من العقل وتصدق في الشعور. لذلك كانت كل معارف الكهان والتي تقوم على الطيرة والنشرة والتنجيم معارف خاطئة من حيث النهج والقصد وإن صدق بعضها من حيث النتائج بطريق المصادفة المحضة. والقصد في الفعل شرط لصحته. وإذا كانت صحة الفعل في قصده إلا أن كماله في تحقيقه واكتماله. فإذا وقع الرياء في العمل فإنه يبطله. وإذا كان القصد هو الدنيا المباشرة فإنه قد يبطل شرعية الفعل، أما إذا كانت النتيجة تحقيق عالم أفضل فتثبت شرعية الفعل. وهذا هو جمع بين التصوف والأصول، فقد ركز التصوف على نقاء الباعث ونسى النتيجة وهو ما أكمله الأصول.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٢١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٢١٠