الله ليس في محل: تعني أن الإنسان في هذا العالم موجود باستمرار في محل؛ أي في مكان وزمان، محدد الحركة والانتشار. والمحل نقص لأن الرؤية فيه محدودة. ولما كان الإنسان مغتربا في العالم قاذفا بوعيه بذاته خارج العالم في دائرة ضوء مركزة ويريد أن يصفها ويتغنى بجمالها فلا يجد أمامه إلا أن ينفي عنها مظاهر نقصه وعيبه ويقول: «الله ليس في محل.» وفي الوقت الذي يقدر فيه الإنسان على أن يتجاوز حدود المكان وأن يتجاوز الرؤية المحددة فإنه لن ينفي عن الله صفة النقص هذه. (6)
الله ليس متعددا: وهذا يعني أن الإنسان متعدد الجوانب والقوى وأنه متكثر. فهناك بشر عديدون، أقوام وأجناس، وهي كلها من مظاهر التشتيت والتشرذم والحرب والصدام والتقاتل والصراع. ولما كان الإنسان يعيش مغتربا في العالم، قاذفا بوعيه خارجا عنه، متحجرا جامدا متقوقعا، وأراد أن يتصل به وأن يناجيه ويسأله ويصفه فينفي عنه مظاهر نقصه وعيبه، وهو التعدد والتكاثر فيقول: «الله ليس متعددا.» وفي الوقت الذي يصبح فيه التعدد ميزة والتكثر فضيلة من خلال وجهات النظر المتعددة المتحاورة فإنه لن ينفي عن الله حينئذ صفة التعدد هذه.
ويمكن تحليل القضايا التي تستخدم فيها أسماء الله التسعة والتسعون بعد قلبها إلى أضدادها ونفيها كمحمولات بنفس الطريقة ولو أنها لا تأتي إلا في قضايا موجبة. ولكن لما كان السلب هو الأصل، فإنه يمكن تحويلها إلى قضايا سالبة. فمثلا الله رحمن رحيم تعني أن الله ليس قاسيا، وأنه ملك تعني أنه ليس مملوكا، وأنه قدوس تعني أنه ليس مدنسا، وأنه سلام تعني أنه ليس حربا، وأنه مؤمن تعني أنه ليس كافرا، وأنه مهيمن تعني أنه ليس مهيمنا عليه، وأنه عزيز تعني أنه ليس ذليلا، وأنه غفار تعني أنه ليس منتقما، وأنه قهار تعني أنه ليس مقهورا، وأنه خالق تعني أنه ليس مخلوقا، وأنه حكم تعني أنه ليس محكوما عليه، وأنه عدل تعني أنه ليس ظالما، وأنه لطيف تعني أنه ليس فظا، وأنه شكور تعني أنه ليس جاحدا، وأنه علي تعني أنه ليس دنيا، وأنه عظيم تعني أنه ليس حقيرا، وأنه كبير تعني أنه ليس صغيرا، وأنه حفيظ تعني أنه ليس ناسيا، وأنه كريم تعني أنه ليس شحا، وأنه رقيب تعني أنه ليس غافلا، وأنه واسع تعني أنه ليس ضيقا، وأنه حكيم تعني أنه ليس متهورا، وأنه ودود تعني أن ليس معاديا، وأنه الحق تعني أنه ليس باطلا، وأنه القوي تعني أنه ليس ضعيفا، وأنه الصمد تعني أنه ليس أجوف، وأنه الجامع تعني أنه ليس المفرق، وأنه غني تعني أنه ليس فقيرا، وأنه النور تعني أنه ليس ظلاما، وأنه الهادي تعني أنه ليس مضلا، وأنه بديع تعني أنه ليس مجدبا أو مقلدا ... إلخ.
63
كل هذه الأسماء المقلوبة مظاهر نقص مثل القسوة والعبودية والدنس والكفر والذل والانتقام والقهر والظلم والفظاظة والجحود والدنية والحقارة والصغار والنسيان والشح والغفلة والضيق والتهور والعداوة والبطلان والضعف والتفرق والفقر والظلام والضلال والجدب أو التقليد ... إلخ. ينفيها الإنسان بعد أن يلصقها بوعيه بالذات المغترب خارج العالم. وفي الوقت الذي يقدر فيه الإنسان على أن يبرئ نفسه من مظاهر النقص هذه ويصبح كاملا رحيما ملكا سلاما مؤمنا مهيمنا عزيزا غفارا خالقا حاكما عدلا لطيفا شكورا عليا عظيما كبيرا حفيظا كريما رقيبا واسعا حكيما ودودا حقا قويا صمدا جامعا غنيا نورا هاديا بديعا ... إلخ فإنه لن ينفي عن الله أضدادها وهي صفات نقصه بعد أن توارت ولم تعد حية في شعره، يتبرأ منها ويبرئ منها وعيه بذاته المدفوع خارجا عنه. لذلك كان موقف الصوفية أصدق بجعل هذه الأسماء الحسنى مثلا عليا يتشبه بها الصوفي حتى يحولها إلى صفاته الخاصة، ويكون التصوف هو التشبيه بصفات الله أو إسقاط صفات الخلق والتشبه بصفات الحق. وتكون غايته تحقيق الإنسان الكامل؛ أي إسقاط الصفات الإنسية والتحلي بالصفات الإلهية. ويبقى الخلاف: هل يتم ذلك بالوهم والخيال أم في الواقع الفعلي؟ هل يتم ذلك بالعاطفة والوجدان أم بالإدراك العقلي لظواهر العالم؟ هل تحققها الأفراد أم الجماعات؟ هل يتحقق ذلك في لحظة الاتحاد أم في التاريخ؟ وهل يتم ذلك في سبيل الفناء أم من أجل البقاء.