86
ولماذا يكون التسلسل إلى ما لا نهاية مرفوضا؟ إنه يمكن الذهاب إلى العلل المباشرة، ثم إلى العلل الأولى دون أدنى حرج علمي، وتكون صورية العلم بقدر البحث عن علل أولى للعلل المباشرة. بل إن التسلسل إلى ما لا نهاية يكون باعثا مستمرا على تقدم العلم في حين أن الوقوف عند علة مفترضة بالقفز عن طريق القلب يوقف العلم. فما دام العلم قد وصل إليها ففيم العلم بعد ذلك؟ الحجة عن طريق التسلسل إلى ما لا نهاية حجة عاطفية خالصة؛ لأن اللانهائي صياغة عقلية لعواطف التأليه، حتى إذا كان الأمر متعلقا بالرياضيات أو الطبيعة أو ما بعد الطبيعية.
87
كما يستحيل العلم «بالله» عن طريق إبطال الدور والتسلسل إلى ما لا نهاية؛ لأن ذلك إبطال للفكر العلمي، وإيقاف للفكر العقلاني عن تقدمه وتحوله إلى فكر علمي. فليس بديهيا تقدم المؤثر على الأثر أو العلة على المعلول. قد يؤثر الأثر في المؤثر، والمعلول في العلة، كما يؤثر الابن في الأب، والتلميذ في الأستاذ، والمنسوخ في الناسخ، والجديد في القديم، والحاضر في الماضي. هناك تبادل أثر وتأثر بين العلة والمعلول. وليست العلاقة من طرف واحد بل من طرفين. ليست أحادية الطرف بل مزدوجة الأطراف. هذه العلاقة الأحادية هي التي جعلت الفكر الديني كله يعطي الأولوية للعلة الأولى على العلة الثانية، و«لله» على العالم. وهي السبب التصوري الذي يجعل العلاقات الاجتماعية والسياسية ذات بعد واحد، من الحاكم إلى المحكوم، ومن الرئيس إلى المرءوس، ومن الأعلى إلى الأدنى. وقد تنبه القدماء أيضا إلى استحالة إثبات العلم بالله عن طريق إبطال التسلسل إلى ما لا نهاية.
88
فإيقاف تسلسل العلل إلى علة أولى يوجب التناهي، وهو مضاد لتصور اللامتناهي، وبالتالي يكون تسلسل العلل إلى ما لا نهاية أقرب إلى تصور التوحيد. كما أن وقوف التسلسل إلى علة أولى وقوف تعسفي ليس له ما يبرره من عقل أو واقع أو مطلب إلا رغبة إيمانية لإثبات «الله» كموجود أول أو كعلة أولى. كما أنه خوف من المجهول، وعجز عن حساب اللامتناهي، وهو الحساب الذي برع فيه علماء الرياضة القدماء، وإيثار للسلامة، وارتكان للأمان. ولا يمكن إثبات تناهي العلل عن طريق التصور الدائري للمكان، أي التقاء الطرفين، فما زال التناهي يرمز إليه بالخط الممدود من الجهتين على مساحة مسطحة. ولا يتطلب تسلسل الممكنات إلى ما لا نهاية بالضرورة وجود واقع أول، فالإمكانيات لا نهاية لها. ويأتي تحقيقها بالفعل من داخل الإمكانية، وليس من خارجها. واعتبار الممكن في حاجة إلى غير ممكن، لا هو نفسه ولا داخلا فيه، هو التصور الخارجي للعلاقة بين الواجب الممكن على نمط التصور الخارجي للعلاقة بين الله والعالم.
أما بالنسبة لضعف منطق الاستدلال فيبدو في عدة موضوعات، منها أنه إذا وجد دليلان في كل مسألة ينفي كل منهما الآخر فيبطل المطلوب إثباته.
89
وقد برر القدماء ذلك برفض تكافؤ الأدلة، وبوجود دليلين أحدهما أقوى من الآخر فيبطل الدليل الضعيف أو ببطلان الدليلين معا، ولا ينفي ذلك وجود الشيء . وذلك في الحقيقة معارض بمنطق الأصوليين بقاعدة «ما لا دليل عليه يجب نفيه». كما تقوم كثير من الاستدلالات على برهان الخلف، أي نفي النقيض حتى يثبت الشيء، وذلك مثل إثبات حدود العالم بنفي قدمه.
90
وهو برهان سلبي يعتمد على شمول الحصر. فإن لم يكن حصر الاحتمالات شاملا انهدم الدليل. ونفي العكس ليس إثباتا للشيء بل نفي لضده فحسب. ولا بد للدليل أن يكون مثبتا خاصة ولو كانت هناك احتمالات أخرى لم تدخل في الحصر الأول. طبقا لقاعدة «ما لا دليل عليه يجب نفيه» فإنه إذا غاب الدليل المثبت وجب نفي الشيء. وعادة ما يكون إثبات بطلان قول الخصم ضعيفا، فدليل الحدوث لا يقضي على اعتراضات الخصم و«تفنيد مزاعم القائلين بقدم العالم».