تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

83

إن احتياج الممكن إلى مخصص وجعل المحتاج دون المحتاج إليه افتراض تشخيصي محض، مجرد إثارة غبار من أجل إزالته فيما بعد، ووضع مسألة من أجل حلها، وبالتالي فهو تمرين عقلي يقوم على أساس وجداني لإقناع النفس والتكيف مع الذات، تكيف العقل مع الوجدان حتى يصير العالم مفهوما. الأشياء على ما هي عليه بالطبيعة، وتحولات الشيء تخضع لقانون طبيعي، بالتفاعلات الداخلية وليس بأسباب الخارجية، والتعليل الذاتي أكثر علمية من التعليل بالآخر. يكشف الدليل عن علاقات قوى بين الطرفين،

84

ولماذا الخشية من الإيجاد بالذات؟ ولماذا يكون الإيجاد بالعلة الخارجية؟ لماذا لا يكون الشيء سبب وجوده؟ لماذا يكون وجودي مستمدا من غيري؟ بل إن الدليل لم يحرص على التنزيه، وحول الوجود بذاته إلى كائن ممسوح لا غاية له ولا هدف ولا قصد إمعانا في التنزيه ونفي جميع مظاهر النقص الإنساني كالاحتياج والافتقار، فانقلب إلى الضد، وهو نفي القصد والغائية، وبالتالي الانتهاء إلى الموت، فكيف يمكن الترجيح دون قصد أو غاية؟ وكيف يتم استبعاد الاحتمال المرجوح؟ ولماذا يتم استبعاده إن كان ممكنا؟ ولماذا لا يكون الترجيح اختيارا طبقا للحرية أو للصلاح والأصلح وليس مجرد عشوائية لا قصد فيها ولا غاية؟ إن افتراض الشيء على غير ما هو عليه افتراض يقوم على الرغبة في تدمير العالم، ونفي أوضاعه، وتحيل إمكانيات لا وجود لها، فالشيء لا يمكن إلا أن يكون على ما هو عليه، فلا يصبح البرغوث فيلا أو الفيل برغوثا. ليس العالم ممكنا بهذا المعنى الذي يدمره. فإذا كان الممكن هو أن يكون الشيء على غير ما هو عليه فليس المحيط ممكنا؛ لأنه لا يمكن أن يكون على غير ما هو عليه فيصبح يابسا. وليس الجبل الشاهق ممكنا لأنه لا يمكن أن يكون على غير ما هو عليه فيصبح هوة سحيقة في باطن الأرض. إذا كان الممكن هو ما سوى «الله» فإن العالم ليس ممكنا لأنه لا يمكن أن يكون على غير ما هو عليه، ويصبح «الله»! لا السماء ولا الأرض، ولا الشمس ولا القمر، ولا النجوم ولا الكواكب بممكنات، أي أن تكون على غير ما هي عليه، وإلا اصطدمنا بقوانين الطبيعة الثابتة وبأوائل العقول وبمبادئ الميتافيزيقا وفي مقدمتها مبدأ الهوية، وهو أن يكون الشيء هو هو وليس غيره، ومبدأ الاختلاف وهو أن يكون الشيء هو غيره، ومبدأ الثالث المرفوع وهو استحالة وجود وسط بينهما، فالشيء لا يمكن أن يكون ذاته وغيره في آن واحد. قد يكشف الدليل على هذا النحو عن انفعال ديني، وتمن لعاجز، ورغبة مكبوتة لتغيير الواقع في الخيال والوهم، وليس في الواقع بالفعل. بل إن الدليل كله يصطدم في نهاية الأمر بما تواجهه الأدلة جميعا من نقص في بيان كيفية الانتقال من عالم الأذهان إلى عالم الأعيان، من أحكام العقل الثلاثة، وهي أمور اعتبارية صرفة كما بان ذلك من «ميتافيزيقا الوجود» في نظرية الوجود إلى واجب الوجود بالفعل. يقوم الدليل إذن على حجة أنطولوجية كافتراض مسبق. فهو ليس دليلا أولانيا بسيطا؛ لأنه يعتمد على دليل آخر متضمن فيه وهو الدليل الأنطولوجي. وتظهر هذه الصعوبة في وصف أحكام العقل الثلاثة: هل هي قسمة للمعلومات، وهو ما يبدو من الدليل، أو قسمة الموجودات؟ وما الدليل على التوحيد بين المعلومات والموجودات إلا افتراض الدليل الأنطولوجي.

85 (6) نقد الأدلة

هناك انتقادات عامة للأدلة كلها تقوم على إبطال التسلسل إلى ما لا نهاية، وعلى ضعف منطق الاستدلال، وعلى نوع المفاهيم والتصورات المستعملة إسقاطا للمفاهيم الإنسانية على الطبيعة لاحظ القدماء بعضها ورأى المحدثون البعض الآخر. فمن حيث منطق الاستدلال، تقوم الأدلة كلها على بطلان الدور والتسلسل مع أن كليهما ممكن. فالدور هو التفكير العلمي، أي تبادل الأثر بين العلة والمعلول. فقد يكون الشيء علة نفسه، علة ومعلولا في آن واحد. السحاب علة للماء، والماء علة للسحاب، وهو المثل المشهور مثل «الدجاجة والبيضة»، فلا وجود لدجاجة أولى أو لبيضة أولى. كما أن التسلسل ما لا نهاية لا يستحيل سواء من الأول الذي ينتهي بضرورة وجود علة أولى أو من الآخر الذي ينتهي بضرورة موجود أول. فذلك هو الفكر الديني في أقصى درجة من التجريد قبل أن يتحول إلى فكر علمي. ولماذا التفكير بطريقة الرجوع إلى الوراء للبحث عن العلة مرات عديدة وضرورة التوقف في التسلسل إلى علة مخالفة في الطبيعة والكمال لكل العلل؟ وحتى على فرض أن هناك تسلسلا إلى ما لا نهاية، فلماذا يكون التسلسل دائما طوليا في خط مستقيم وليس دائريا، فتكون العلة اللاحقة علة للسابقة والعلة السابقة علة للاحقة دون أن يكون هناك سبب مطلق أو لحق مطلق؟ يبدو أن الفكر الديني فكر طولي تراجعي، في حين أن الفكر العلمي فكر دائري تقدمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٢٠