تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والصياغة الثانية هي أن الموجودات إما واجب الوجود أو ممكن الوجود أو البعض واجب والبعض ممكن، واستحالة أن يكون الكل واجبا نظرا لاستحالة أكثر من واجب وجود واحد، واستحالة أن يكون الكل ممكنا لحاجة الممكن إلى الواجب، والحقيقة أن قسمة الواجب والممكن قسمة إيمانية خالصة، عاطفة دينية صرفة يقوم العقل بتنظيرها عن طريق التمييز بين مستويات في علاقة رأسية بين الأكثر شرفا والأقل شرفا. واجب الوجود مجرد مطلب أخلاقي، ونزوع نفسي نحو غاية، وحاجة إنسانية وتطلع إلى الكمال الذي لم يتحقق، وكل شيء أمامنا واجب أو ممكن مثل الجوهر والعرض والقديم والحادث، واجب لأنه موجود أمامنا باستمرار، وممكن لأنه يتغير ويتقلب، فلا استحالة هناك أن تكون كل الموجودات واجبة وممكنة في آن واحد دون قسمة من صنع الإيمان العقلي. وقد تكون كل الموجودات ممكنة لأنها قابلة للتحقيق والتغير من خلال الفعل والنشاط الإنساني، أي بدافع الوجوب الأخلاقي، فالدليل لا يثبت وجودا واجبا خارجا عن العالم، بل يصف عملية التحقق ومسار النشاط الإنساني من الوجوب إلى الإمكان ومن الإمكان إلى الوجوب.

والصياغة الثالثة أن الأجسام متماثلة في الجسمية مختلفة في الصفات، وسبب الاختلاف ليس جسما؛ لاستحالة التسلسل إلى ما لا نهاية، والمؤثر ليس بالطبع والإيجاد بل بالقصد والاختيار؛ لأن الطبع واحد ولا يختلف، إذن هو بالقصد والاختيار. والحقيقة أن سبب التشابه والاختلاف بين الأجسام قد تكون الأجسام ذاتها وتراكيبها وطبائعها، أي أنه يرجع إلى الطبع وإلى قوانين الطبيعة وليس إلى القصد والاختيار، فالاختيار مقولة إنسانية تعبر عن حرية الأفعال يسقطها المتكلم الأشعري على الطبيعة، ثم يتنازل عنها بعد ذلك ويعزوها إلى المطلوب إثباته، وبالتالي يحيل الدليل من مستوى الطبيعة إلى مستوى خلق الأفعال.

وتتفاوت الصيغ المركبة بين الدليل الموجز في مقدمتين أو المفصل في ثلاث مقدمات، تثبت المقدمة الثالثة بثلاث مقدمات أخرى، أو المفصل في أربع طرق، كل منها دليل بحد ذاته على انفراد، فالصيغة المزدوجة من مقدمتين، هي: (أ) العالم بجميع ما فيه جائز أن يكون على مقابل ما هو عليه. (ب) الجائز محدث، وله محدث، أي فاعل صيره بأحد الجائزين أولى منه بالآخر.

80

والصيغة الثلاثية المفصلة، هي: (أ) العالم متغير ومتكثر. (ب) وكل متكثر ومتغير فهو ممكن الوجود بذاته. (ج) إذن وجود العالم بإيجاد غيره، وذلك الغير يستحيل أن يكون مرجحا لثلاثة أوجه: (1) أن الوجود والذات لا اختلاف فيهما بين موجود وموجود. (2) أن الجائزات بأسرها متماثلة من حيث هي جائزة. (3) أن الواجب بذاته مهما كان بينه وبين الموجب مناسبة أو تعلق ما، لم يقض العقل بصدور أحدهما عن الآخر. أما الصيغة الرباعية المتأخرة، فإنها تقوم على مبحث الجوهر والأعراض والاستدلال منهما إلى إثبات الصانع إما بالحدوث أو الإمكان. والحقيقة أنه بنائي ثنائي وإنما الخلاف في اللفظ، فالحدوث هو الإمكان ولكن بلفظين مختلفتين، الأول من الطبيعة والثاني من ما بعد الطبيعة. وهو نفس التقسيم الرباعي عندما يستبدل لفظ الذات بلفظ الجسم، وبالتالي تكون الاحتمالات أربعة: الأول إمكان الذوات، والثاني حدوث الذوات، والثالث إمكان الصفات، والرابع حدوث الصفات.

81

والطريقة الأولى وهي الاستدلال بحدوث الأجسام طريقة الخليل في القرآن مما يدل على أنه لا شأن له بالحضارات المجاورة أو بأقوال الحكماء،

82

وهي مركبة من مقدمتين، الأولى أن العالم محدث والثانية أن كل محدث له محدث. وبالتالي يكون هو محدث الأعراض بدليل انقلاب النطفة علقة ثم مضغة ثم لحما ودما، ولا بد من مؤثر وهو ليس الإنسان أو أبويه. والحقيقة أن الاعتراض على الدليل موجود عند القدماء وهو: «لم لا يجوز أن يكون المؤثر هو القوة المولدة المركوزة في النطفة»؟ والرد بضرورة الشعور والاختيار والقصد لا يستدعي بالضرورة وجود كائن مشخص، إذ يمكن أن تكون الطبيعة واعية من خلال الغائية والقصدية. والطريقة الثانية الاستدلال بالإمكان كما تم من قبل الاستدلال بالحدوث للأجسام. والطريقة الثالثة الاستدلال بحدوث الأعراض وإقامة الدليل على أنه واجب الوجود، ويستحيل أن يكون أكثر من واحد وأن نشاهد الأجسام كثرة ممكنة وكل ممكن له مؤثر. والطريقة الرابعة الاستدلال بإمكان الأعراض فالأجسام متساوية في الجسمية مختلفة في الصفات واختلافها لا يعود إلى الجسمية بل في حاجة إلى مؤثر.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٨