76
وما المانع أن يكون التسلسل إلى ما لا نهاية أو أن يكون التسلسل عن طريق الدور؟ لماذا يجب الوقوف بالضرورة إلى واجب ذاته ليس ممكنا، وأن يقف خط التسلسل أو أن يكون بين العلة والمعلول أثر متبادل، كل منهما علة للآخر ومعلولا له؟ يبدو أن الفكر الديني هنا لم يصل بعد إلى درجة كافية من العقلانية وظل أسير الوجدان الديني. إن مفاهيم الوجود بالذات والوجود بالغير، وهما أساس الاستدلال في البراهين على وجود الله، كلها مفاهيم تعكس الصراع بين الفكر الديني والفكر العلمي، فالفكر العلمي يقوم على الوجود بالذات وتفسير الشيء من داخله في حين يقوم الفكر الديني على الوجود بالغير وتفسير الشيء من خارجه، وهو التفسير الذي سرعان ما يتحول إلى موقف سياسي واجتماعي بتفسير كل شيء في المجتمع من خارجه، مظاهرة شعبية ضد النظام بفعل المندسين والعملاء أو اعتبار الشعب كله موجودا بغيره في حين يكون الحاكم هو الموجود بذاته . إن هذه المفاهيم كلها مفاهيم اعتبارية تعبر عن مطلب شعوري وليس لها أي أساس في الواقع، فالواجب بالذات والواجب بالغير، والممكن، والقديم، والحادث، كلها مفاهيم إنسانية يسقطها الإنسان على الواقع حتى يفهمه من أجل التكيف المعرفي مع العلم كي يصبح العالم مفهوما فيعيش الإنسان فيه مدركا فاهما في عالم يحكمه العقل وتصدق عليه المفاهيم. الواجب في الحقيقة هو الواجب الأخلاقي، والممكن هي قدرة الإنسان على الفعل، والقديم هو العمق التاريخي للإنسان، والحادث هي الجدة والمعاصرة، والموجود بذاته هو الشعور بالاستقلال، والموجود بغيره هو الشعور بالتبعية. ويكشف أي دليل على إثبات وجود «الله» على وعي مزيف، فالغاية في الظاهر تبدو إثبات تناهي الأجسام، وهي غاية إلهية مقلوبة على الطبيعة أي إثبات لا تناهي «الله».
77
والوعي الشرعي بالعالم هو القادر على إعادة اللاتناهي إلى العالم دون البحث عن تعويض عنه وإجهاد العقل في البحث عن الدليل. (5) دليل الإمكان
ودليل الإمكان أقل شيوعا من دليل الحدوث بالرغم من أنه يفيد نفس المعنى وله نفس البناء، إلا أنه ظهر عند المتأخرين بعد سيادة علوم الحكمة على علم أصول الدين، وهو مبني على أحكام العقل الثلاثة: الوجوب والامتناع والإمكان؛ لذلك كانت المعلومات الثلاثة: أقسام الواجب لذاته والممتنع لذاته والممكن لذاته، ومنها يتم الانتقال إلى أنواع الموجودات الثلاثة: الواجب والممكن والممتنع.
78
وللدليل صياغات بسيطة وأخرى مركبة. فمن الصياغات البسيطة يعطي القدماء ثلاثا:
79
الأولى لما ثبت أن العالم ما كان موجودا ثم صار موجودا، فحقيقة العالم قابلة للعدم وقابلة للوجود. وكل ما كان كذلك فرجحان وجوده على عدمه لأجل ترجيح مرجح فثبت أن وجود العالم محتاج إلى مؤثر وموجد، والحقيقة أن هذا الدليل به عيوب ثلاثة رئيسية: الأولى أنه يشكك في وجود العالم ثم يوقن به عن طريق الإيمان بأنه كان معدوما ثم وجد بافتراض الخلق. ومن الناحية العقلية الصرفة ودون اعتبار لأية مسلمات دينية سابقة نحن لا ندري هل كان العلم غير موجود ثم وجد أم لا، فنحن نولد في عالم موجود، ونشب فيه، ونعمل في العالم، ونمارس نشاطنا فيه. إنما افتراض عدم وجوده ثم وجوده افتراض ناتج عن الإيمان من نظرية الخلق التي تفترض وجود الله السابق على العالم وأن العدم هو الأساس، وأن الوجود منبثق من العدم، وهذه هي العدمية المحضة، وكأن الموقف الإيماني والموقف العدمي واحد. والثاني هو افتراض فناء العالم وتحويله إلى عدم بعد أن وجد من عدم، وهو افتراض ناتج أيضا عن مسلمة دينية هي عقيدة الفناء وليس برهانا عقليا. نحن نعيش في العالم، ويتركه الآخرون، ولا يتوقف نشاطنا فيه بدليل فعلنا المستمر من خلال الأفكار والأفعال والآثار التي نتركها. نحن نرى الناس يغيبون عنه، ولكن لم يشاهد أحد فناء العالم، أي أنه عدم بعد وجوده. والثالث هو أن إيجاد سبب أو مرجح للوجود لا يكون بالضرورة عن طريق مرجح خارجي، بل يمكن أن يكون عن طريق سبب داخلي، هذا على افتراض صحة الانتقال والتحول من العدم إلى الوجود.