تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19

والأسماء غير المسميات. ولا يمكن تشخيص الأسماء بذاتها وتحويلها إلى وصف حقيقي لواقع أو إلى موصوف مخلوق من الذات لأن الأسماء مجرد أقوال. كل اسم يشير إلى وصف يكون موضوعا للعلم. فالأسماء لا تزيد عن كونها لغة علمية، كل منها يشير إلى وصف علمي. بل إنها ليست أوصافا لأفعال لأن الأفعال تشخيص للأوصاف وافتراض ذات تقوم بالأفعال.

20

فالفعل لا يكون إلا من فاعل. وتصبح الأسماء جزءا من لغة العلم إذا دخل عنصر المواضعة، وتم الاتفاق عليها، وأصبحت لها معاني اجتماعية يخطئ الفرد أو يصيب في استعمالها بناء على هذا الاتفاق الاجتماعي.

21 (3) القياس والاشتقاق

فإذا كانت الأسماء تعبيرا عن عمليات شعورية أو تسميات، أمكن إخراجها عن طريق القياس الشعوري ولا تكون أسماء شرعية أو توقيفية. كما يمكن اشتقاقها وإضافة أسماء أخرى على الأسماء الأصلية تعبيرا عن نفس القصد وهو التعظيم والإجلال. وبالتالي تكون الأسماء عقلية وليست نقلية، وضعية وليست إلهية، بالرغم من استعمال الوحي لبعض منها مستدركا أنه لا نهاية للأسماء وغير ناه عنها نظرا لأن الوحي متناه كلغة وإن لم يكن متناهيا كقصد.

22

وإذا كان العقل يمكنه الاستدلال على الأسماء بعد النقل فلماذا لا يستدل عليها قبل النقل إذا كان الاستدلال في ذاته ممكنا؟ وإذا كان الإجماع أحد الأدلة على التوقيف فهو بقدر ما به من نص يعتمد عليه وما به من عقل للاستدلال فيه. صحيح أن القياس لا يتم إلا في المسائل العملية وليس في العقائد النظرية، ولكن الأسماء في الحقيقة بين النظر والعمل، تربط بين الذات والصفات والأفعال، وتشير إلى مجموع القيم والمبادئ الإنسانية التي يسترشد بها في السلوك. ولا مانع من أن يضع العبد لمولاه اسما وكنية. بل لفظ المولى والسيد وصاحب الأمر أسماء تكشف عن الوضع الاجتماعي الذي فيه العبد والذي منه تنشأ اللغة. أما وصف الله بأسماء دون غيرها مثل جواد كريم وعتيق وشفيق فإن المعنى سابق على اللفظ، واللفظ يحتاج إلى تحويل المعنى إلى تصور قبل أن يعبر عن التصور في اللفظ. والتصور يستلزم درجة من التجريد قد لا توجد في المعنى بعد. ولكن بقدرة العقل على التجريد وعلى الصياغات ستتحول المعاني إلى أسماء كما تحولت من قبل إلى أوصاف وصفات وأسماء شرعية. ولا غرابة أن يكون المعنى مقبولا الآن دون أن يوضع له اسم. فهو الشافي دون أن يكون طبيبا، بل يظهر لفظ الطبيب في المدائح والأدعية وأذكار الصوفية. تتوقف الأسماء على التخصص ودرجة الثقافة واللغة الشائعة في البيئة والسائدة في الحضارة. فعند الفيلسوف هو فلك الأفلاك أو عقل أو روح الأرواح تعظيما لله قدر تصوره. كما أنها عند المالك المالك وعند الملك الملك وعند الغني الغني، وكأن الإنسان يسمي أغلى ما لديه. وهو عند المحروم المالك، وعند المملوك الملك، وعند الفقير الغنى، وهنا يسمي الإنسان أيضا أغلى ما لديه بأقصى ما يتمناه.

23

وإذا كان لا يجوز تسمية الإنسان بأسماء الله فلأن المواقف لا يتم التبادل فيها. فالموقف الإنساني لا يتغير إلا بالتمني وليس في الواقع، الإنسان في الموقف الديني لا يكون إلا غير ذاته، مغتربا في غيره. صحيح أنه لا يمكن اشتقاق أسماء من كل أفعال الذات فلا يمكن تحويل كل فعل إلى اسم، فمثلا:

وسقاهم ربهم

لا تعني أن الله ساق أو

الله يستهزئ بهم

تعني أن الله مستهزئ، أو

سخر الله منهم

يقال الله ساخر، أو

وغضب الله عليهم

فيقال الله غضبان، أو:

إن الله وملائكته يصلون على النبي

فيقال الله مصل، أو

سأرهقه صعودا

فيقال الله مرهق، وذلك لأن الأسماء لا تأتي من النقل بل من الوضع النفسي الاجتماعي للمؤله. كما تقال هذه الأسماء في المدائح والتعازي وفي الأذكار والأوراد. ولا يتحول كل فعل إلى اسم إلا إذا نال درجة عالية من التجريد، فالاسم معنى وتصور وأكثر من فعل وانفعال. كما يستحيل تسمية أحد بأسماء الله مثل الإله والرحمن والخالق والقدوس والرزاق والمحيي والمميت ومالك الملك وذي الجلال والإكرام؛ لأنها لا تليق لغير الله حتى تمنع الشركة ويتأكد الاختصاص. فالأسماء تقتضي الاحترام في استعمال البشر لها في التسمية لغير الله.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٦٩