تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم

بناء على الانفعالات الإنسانية وتناقضات الوجود الإنساني ... لذلك تشابه الانفعالات المزدوجة أحوال الصوفية المزدوجة أيضا، وتشابه الانفعالات الفردية مقامات الصوفية الفردية.

وقد تستثنى بعض الانفعالات الحسية مثل اللذة والألم والنفع والضرر، وكأن الانفعالات الحسية لا تجوز على الله في حين أن المنفعة والضرر أساس التشريع ومقياس له وأن تعريفهما لا يتم إلا باللذة والألم. وقد تستثنى بعض الانفعالات غير الحسية مثل الميل والنفور مع أنها لا تختلف نوعا وكيفا عن باقي الانفعالات المنسوبة إلى الله مثل الولاية والعداوة والرضا والسخط. وقد يستثنى الحاجة والفقر مع أنهما ليسا انفعالين بل يخصان الوجود ذاته هل هو محتاج إلى غيره أم أنه غني عنه. تبدو الانفعالات إذن على مستويات ثلاثة، الصوري الوجودي مثل الغنى والحاجة، الوجداني مثل الرضا والسخط، والحسي مثل اللذة والألم.

وأخيرا قد تختلط بعض الانفعالات بالأسماء مثل الجود والكرم والرحمة، وكأنه لا يوجد إحصاء تام للانفعالات كما هو الحال في الأوصاف الستة والصفات السبع والأسماء التسعة والتسعين. ومع ذلك فقد جعلها القدماء مظاهر للإرادة وأحيانا أخرى للقدرة؛ لأن الله قادر على كل شيء.

320

فالقدرة والإرادة قرينان. والحقيقة أن الإرادة في أصل الوحي فعل وليست اسما وفعل للإنسان أكثر منها فعلا لله ولكن الإنسان أسقطها ومظاهرها على الله ورضي برؤية ذاته فيه إذا ما استعصى العالم عليه وأصبح عاجزا فيه.

321

| ثالثا: الأسماء

(1) مقدمة

لا تظهر الأسماء باستمرار كأصل مستقل، ولكن كملحق لمبحث الصفات. وهي آخر دائرة حول الذات بعد أوصاف الذات الستة وصفاتها السبع.

1

وغالبا ما تظهر في آخر نظرية الذات والصفات والأفعال مع أنها أقرب إلى أن تدخل بعد الصفات وقبل الأفعال لأنها أقرب إلى صفات الفعل أو أنها هي الرابطة الطبيعية بينهما، فمنها ما هو صفات ذات، ومنها ما هو صفات أفعال. كما تظهر الأسماء على أنها أحد أحكام الصفات.

2

وقد استمرت قسمة الإلهيات إلى ذات وصفات وأفعال من القرن الخامس حتى العصر الحاضر وأضيفت إليها الأسماء إحصاء في القرن السادس.

3

وفي العقائد المتأخرة تظهر الأسماء وينص على أنها توقيفية مع السمعيات، وتخرج عن النسق العقلي في نظرية الذات والصفات والأفعال.

4

وتأتي الأسماء طبيعيا بعد الإرادة لأن كليهما تعبير عن الكمال، فالإرادة نفي لمظاهر النقص والأسماء مجموع الكمالات. لم يعتد بها القدماء كثيرا، سواء من المتقدمين أو من المتأخرين، مع أنها كانت فرصة لإظهار التنزيه في حين ركز عليها الصوفية حتى انتقل إليهم الموضوع بأكمله.

5

وعلى عكس القدماء أعطيت لها هنا أهمية قصوى نظرا لأثرها في الحياة العملية على سلوك الجماهير أكثر من الصفات. إذ لا تعرف الجماهير الحياة والكلام بقدر ما تعرف اللطيف الخبير القهار الشكور الرزاق الوهاب الولي مالك الملك.

تظهر مسألة الأسماء إذن في الصفات أكثر من ظهورها في الأوصاف على أنها تفريع للصفات أو أنها صفات أفعال وليس صفات ذات، فيطبق عليها أحكام الصفات العامة الخاصة بالإثبات والنفي أو بالغيرية والهوية، أو بالقدم والحدوث أو بعض المسائل الأخرى مثل الصفة والموصوف، صفات الذات وصفات الفعل، التشبيه والتنزيه، والحقيقة والمجاز. كما تظهر فيها الطبيعة واستقلالها والحرية الإنسانية وإثباتها. ويظهر هذا التداخل بين الوصف والصفة والاسم فيكون الله قديما بقدم (وصف)، عالما بعلم (صفة)، كريما بكرم (اسم).

6

ومع ذلك يظل الفرق بين الوصف والصفة والاسم قائما. فالوصف يعبر عن كنه الذات، والصفة عن مظاهرها، والاسم عن تحققاتها وتعيناته في الأفعال، وبالتالي يكون الاسم أقرب إلى الصفة منه إلى الوصف. ولكن لم يمنع هذا التمايز بين الأوصاف والصفات والأسماء من التداخل بينها وقيام البعض منها بمقام البعض الآخر حتى يصبح مجموعها عبارات إنشائية خالصة تعبر عن عواطف التعظيم والإجلال للذات المشخص دون تحديد للألفاظ وتمييز بين معانيها المختلفة كما هو الحال في المناجاة الصوفية أو في التأملات الفلسفية أو في العبادات الروحية أو في الصلوات الدينية أو في التواشيح في المآتم والجنازات والأدعية الإذاعية. فقد بدأت أولا كألفاظ ثم تحولت إلى أسماء. بدأت أولا كلغة عادية ثم تحولت إلى لغة اصطلاحية كما حدث في ألقاب المسيح.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٦٧