280
الإرادة إذن علم أو باعث وكلاهما من صفات الكمال. ولكن الأهم في التخصيص بالإرادة هو اصطدامها بالحرية الإنسانية، وباختلاف مرادات البشر. فكيف يكون الله مريدا لإرادة زيد وإرادة عمرو عند اختلاف مرادهما، وهي دلالة التمانع؟ كيف تتعلق الإرادة وهي خير محض بإرادات خيرة وشريرة؟ كيف يكون المأمور والمنهي مرادا، الأول علم وقوعه والثاني لم يعلم وقوعه، وتكليف أبي جهل بالإيمان من غير إرادة له؟ كيف تجوز الإرادة على الله وهي لا تكون إلا عزما مع سبق فكر وتردد؟ يبدو أن في إثبات الإرادة لله مخاطر على الحرية الإنسانية وخلق الأفعال. فالإرادة نفي للقصد وللاختيار وحرية الأفعال. وفي هذه الحالة تكون أفعال العباد بالطبع أولى، إذا كان الأمر نفيا بنفي. ويكون القول بالطباع رد فعل على القول الإرادة، فعلى الأقل يبقى الطبع للإنسان كالفعل الحر.
281
وقد لا تتغير إرادة الرضا إذا ما عصى المطيع وقد لا تتغير إرادة السخط إذا ما أطاع العاصي.
282
وقد يكون الدليل على ثبوت الإرادة كون الذات حيا، فالإرادة أحد مظاهر الحياة والميت لا يريد. ولما كانت أفعال الصانع بعضها متقدمة والأخرى متأخرة، ويجوز في العقل تقديم المتأخر وتأخر المتقدم واختصاص بعضها دون البعض، كانت الإرادة هي الصفة المخصصة. تثبت الإرادة إذن بإثبات المخصص للأفعال.
283
وقد تثبت الإرادة بالأمر، فالأمر لا يكون أمرا إلا بالإرادة وكذلك الخبر، والحكم لا يكون حكما إلا بالإرادة، وكذلك تأثير القدرة والعلم، فالكرامة تمنع الفعل وتمنع التأثير على عكس الإرادة. ليست الكراهة باعثا على الفعل، بل على امتناع الفعل. الكراهة تؤدي إلى النفور. الإرادة شهوة والكراهة نفور دون رد الإرادة إلى الشهوة والنفور. فقد يكره الحي ما لا ينفر طبعه عنه مثل الزنا وشرب الخمر، وقد ينفر طبعه عما لا يكرهه مثل الدواء. وقد تكون الإرادة تجربة شعورية بديهية لا برهان منطقي عليها.
284
وبالرغم من أن الإرادة في نشأتها أمر سلبي أو عدمي إلا أن متطلبات الكمال تقتضي جعلها أمرا إيجابيا أو ثبوتيا. فالكمال لا يجوز أن يصدر عن العدم لأن العدم نقص. لذلك الإرادة صفة كمال تنفي عن الذات الأهواء والميول والرغبات والتحيزات والمحاباة. بل إن هذا الجانب السلبي في الإرادة أصبح عنوانا لها وبديلا عنها أو مكملا لها ومفصلا لمضمونها. فيخصص لصفات الانفعال مسألة خاصة لربط الانفعالات بالإرادة ونفي الأهواء.
285
وتبدو وكأنها قسم من الإرادة ينفي أضدادها لأنها تذكر بعد صفة الإرادة، خاصة وأن الإرادة ليس لها معنى مستقل عن القدرة في الثلاثي.
286
وتبدو أحيانا وكأنها من الصفات المختلف عليها مثل التكوين والبقاء والقدم واليد والوجه والاستواء والإدراك والشم والذوق واللمس.
287
وقد يظهر نفي الانفعالات النفسية في نهاية ذكر الأوصاف والصفات من غضب ورضا وحنق وحقد وميل ونفور.
288
كما تبدو صفات الرضا والسخط أحيانا مع الأخرويات في الوعد والوعيد نظرا لأنها مقاييس الثواب والعقاب في غياب تصور قانوني لها.
289
وتنفى صفات اللذة والألم والنفع والضرر في النهاية بعد أوصاف الذات وصفاتها وصفات التشبيه والاستواء وصفات الانفعال والرؤية.
290
ويظهر هذا الوصف في نهاية الأوصاف كلها وقبل صفات المعاني السبع.
291
وتظهر في النهاية قبل الصفات الثبوتية السبع وقبل نفي الطعوم والألوان آخر صفات السلوب مثل نفي مشاركة الذات لغيرها ونفي التركيب ونفي التحيز ونفي الاتحاد والحلول ونفي الجهة ونفي قيام الحوادث بالذات.
292
ويظهر نفي الألم واللذة كسابع وصف بعد نفي الجسمية ونفي الجوهر ونفي المكان ونفي الحلول ونفي قيام الحوادث بالذات ونفي الاتحاد.
293
ويعقد لنفي الشهوة مسألة خاصة مما يدل على بداية تموضعها في وصف مستقل.