144
والحقيقة، أن ذلك كله هو إكمال للوعي بالحواس وسيلة الاتصال بالعالم والتعبير عنه، مع إعطاء الأولوية للسمع والبصر على الذوق والشم واللمس لأنهما أقرب إلى إدراك المعاني. والحواس ليست صفات أزلية قديمة قائمة بالذات (المستوى الصوري) ولا أعضاء ووظائف حسية تقوم على الأشعة والعين والأجسام والأعراض، والحواس والآلات، والأذن والصماخ، والآفات وصحة البنية (المستوى المادي)، بل هي مدركات حسية يعي الوعي من خلالها العالم. الوعي يرى ذاته خارجا منه، مطرودا من العالم، غريبا عنه. وهذا ما يؤكده تحليل السمع والبصر في أصل الوحي. فالسمع فعل أكثر منه صفة، وفعل إنساني وليس فعلا إلهيا. وهو مرتبط بالعلم وطريق له. أما البصر فهو أيضا فعل للإنسان أكثر منه فعلا لله. وكذلك البصر والإبصار للإنسان للإدراك الموجه بالانتباه.
145 (6) الكلام
وهو الصفة السادسة من صفات الذات. وفي العقائد يصعب الفصل بين أوصاف الذات وصفاتها فتظهر بعض الصفات مع الأوصاف. فمثلا يظهر العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر مع نفي الجسمية والشبه وإثبات الواحد وإعادة المخلوقات.
146
ولا يظهر إلا الكلام والإرادة متميزان على باقي الصفات السبع نظرا للمخاطر المحدقة بهما. الكلام لإثبات قدمه ضد خلقه، والإرادة لإثبات شمولها ضد حرية الأفعال.
147
ونظرا لأهمية الكلام، فإنه يظهر بوضوح تام أمام الرباعي كما يطغى أحيانا على الثلاثي: العلم والقدرة والحياة، كما غلبت من قبل صفتا المخالفة للحوادث والقيام بالنفس على أوصاف الذات الست. ويعقد له باب خاص قد يكون هو الباب الأوحد المستقل في الصفات. وفي بعض المؤلفات يظهر الكلام (القرآن) وتختفي باقي الصفات الست الأخرى.
148
ويأتي الكلام في أول الرباعي نظرا لأهميته.
149
وعندما تدخل الإرادة مع الثلاثي الأول يظهر الكلام ثاني صفة في الرباعي بعد الإرادة وقبل السمع والبصر نظرا لأهميته على السمع والبصر وارتباطه بهما في نفس الوقت.
150
ويظهر الكلام في ثلاثة أبواب مستقلة بعد الإرادة، وقبل السمع والبصر، فتتصدر أهم صفتين تتلوهما الصفتان الأقل أهمية.
151
ونظرا لارتباط الإرادة بالقدرة، وارتباط الكلام بالسمع والبصر، فقد تأخر الكلام.
152
وقد يأتي الكلام في آخر الرباعي بعد الإرادة نظرا لتكوينه موضوعا خاصا مستقلا حسيا.
153
وقد يذكر معه القرآن نظرا لأن القرآن هو التعبير الحسي الملموس عن الكلام أي الكلام الجسمي.
154
ونظرا لأهمية إثبات خلق القرآن أو قدمه، فإنه يظهر في باب خاص تال للرؤية وإثباتها. ويظهر كأنه هو كل مسألة الكلام، ولا تذكر مسائل الكلام الأخرى كالكتابة والتلاوة والحفظ إلا عابرا في معرض المحاجة على قدم القرآن.
155
وقد يظهر الكلام كأحد أبواب العدل ويخرج عن كونه صفة للذات في أبواب التوحيد. ووجه اتصاله بالعدل هو أن القرآن فعل من أفعال الله يصح أن يقع على وجه فيقبح وعلى وجه آخر فيحسن. وباب العدل كله في أفعاله وما يجوز أن فعله وما لا يجوز.
156
ويثبت عن طريق إجماع الأنبياء دون أن يتوقف ثبوت نبوتهم عليه أي أنه ليس دليلا على النبوة كالمعجزة.
157
ويشمل مبحث الكلام عدة موضوعات، إثبات الكلام أو نفيه، قدمه وحدوثه (مشكلة خلق القرآن)، ثم وصف مراحل الكلام ابتداء من السمع والبصر حتى الرؤية والتحقق مارا بالحفظ والأداء ثم صيغ الكلام (وحدته وكثرته).
158
ولكن ما هو تعريف الكلام؟ يتراوح تعريف القدماء بين الكلام كأصوات وحروف مسموعة أو مقروءة، أي الكلام الحسي، وبين الكلام كمعنى، أي الكلام النفسي. وينشأ الخلاف في الكلام الحسي، أي الأصوات والحروف، هل هي قائمة بذات الله أم قائمة بغيره في الهواء أو على الألواح؟ كما ينشأ الخلاف في الكلام النفسي هل هو قائم بذات الله، أي بنفسه، أم أنه معنى قائم بنفس الإنسان المستمع أو القارئ؟ فلا خلاف عند القدماء على كونه متكلما ولكن الخلاف في معنى كلامه.