136
ولكن السمع والبصر أيضا ليسا صفتين مستقلتين عن العلم، بل وسيلتان للعلم، أي إدراكان. فهو مدرك للمسموعات والمبصرات والإدراك لا يزيد على العلم، بل هو العلم الحسي التجريبي. يرجع السمع والبصر إلى الإدراك قبل أن يصبح علما نظريا أو استدلاليا. هما إدراكان قبل العلم يتعلقان بالمدركات الخاصة بكل واحد بشرط الوجود. فهما قبل العلم كإدراك وبعد العلم كنظر
137
فالإدراكات من قبيل العلوم. صحيح أنه قد يحدث إدراك حسي دون علم وقد يحدث علم دون إدراك حسي؛ وذلك لأن تحويل الإدراك إلى علم مشروط بسلامة الإدراك وبالانتباه على ما هو معروف في نظرية العلم وفي نظرية الرؤية. ويعتمد نفي السمع والبصر كصفتين مستقلتين عن العلم على تعدد القدماء أو لو كانا حادثين لكانت الذات محلا للحوادث وعلى احتياجهما إلى حاسة وآلة وعضو ووظيفة وهو محال. وقد يتوقف البعض دون إثبات أو نفي.
138
والعجيب أنه في نفس الوقت الذي يثبت فيه السمع والبصر كصفات أزلية قائمة بالذات يثبتان أيضا على الحقيقة كوظيفتين سمعيتين وبصريتين.
139
وكأن الإيغال في إثبات الصفة القديمة ينقلب إلى تشبيه حسي لإثبات وظيفتين حسيتين. لذلك حرص البعض على إثبات السمع والبصر دون الآلة أو العضو، لا يثبتان بآلة صماخ وأذن أو عين وحدقة. كذلك يمكن تعريف السمع والبصر عن طريق الاكتفاء بنفي الضد أي الآفة، أي استحالة الصمم والعمى، فكلتاهما صفات نقص والسمع والبصر صفتا كمال وضدهما نقص. فالحي إن لم يكن موصوفا بآفة تمنعه من الإدراك كان سميعا بصيرا،
140
وذلك يدل على أن نشأت الصفات هي في أضدادها عن طريق القلب، أي نفي مظاهر النقص الإنساني لإثبات مظاهر الكمال الإنساني.
ويذكر أحيانا السمع بمفرده دون وضع مسائل جديدة زيادة على استقلالها عن العلم أو ارتباطها بالإدراك أو ارتباطها بالقدرة كالقول بأن سمع الإله قدرته على إدراك مسموعاته.
141
ولكن يبدو أن البصر قد حظي باهتمام أكبر من السمع بالرغم من أن الوحي سمعي لا بصري. فكل موجود يجوز أن يكون مسموعا ومرئيا، وبالتالي لا يوجد موجود إلا إذا أدرك من خلال الحواس. لا يسمع إلا ما كان كلاما أو صوتا ومع ذلك يظل السمع صورة للعلم حتى ولو كان غير موجود أو كان أصوات الهامسين.
142
ويثبت البصر أيضا بنفس حجة ثبوت السمع. فتجوز رؤية كل ما هو موجود وتستحيل رؤية المعدوم. ولكن هل تجوز رؤية ما هو قائم بنفسه وتستحيل رؤية الأعراض ؟
الدليل على رؤية الأعراض هو التمييز بالبصر بين الألوان وبين التأليف والأكوان. ومع ذلك فالبصر صورة للعلم والتحقق من وجود المعلوم حتى ولو كان مختفيا عن الأنظار. فالبصر يعني العلم، والإدراك الحسي مقدمة للعلم وليس هو العلم. العلم لا يكون إلا نظريا. ولا يمكن أن تكون الرؤية هي العلم، فقد يرى الإنسان شيئا ولا يعلمه أو يعلم الإنسان شيئا ولا يراه. ويخلط القدماء بين السمع والبصر كصفات ذات وبين المسموع والمبصر كموضوعات إدراك. وبالتالي يظهر موضوع الرؤية من جديد من الذات إلى الصفات في سؤال: هل يسمع الله ذاته؟ هل يرى الله ذاته؟ وبالتالي تتحول الصفات الذاتية إلى موضوعات مسموعة أو مرئية، ثم تتحول الموضوعات إلى ذات مشخصة، ويصبح الله ذاتا وموضوعا، سامعا ومسموعا، مبصرا ومبصرا.
143
وقياسا على السمع والبصر، ما المانع من نسبة الذوق والشم واللمس كصفات للذات خاصة وأن فقدانها نقص، وأنها من كمالات الحي؟ ولماذا لا يثبت التلذذ والتألم والشهوة، فهي أيضا كمالات للحي؟ الحواس كلها طريق للعلم وللاتصال بالعالم والتعبير عنه سواء بسواء، مثل السمع والبصر. هل يغني السمع والبصر عن باقي الحواس لأن باقي الكيفيات الحسية داخلة فيهما، وكأن المدركات نوعان: سمعية وبصرية، مثل الفنون، لا ذوقية أو شمية أو لمسية؟ وقد أبدعت الحضارة قديما ليس فقط في الفنون السمعية (الشعر)، بل أيضا في الفنون البصرية (الكتابة والزخرفة)، والذوقية (الطعوم)، والشمية (الأراييح)، واللمسية (الحرائر).