تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

38

ويلاحظ بالرغم من اختلاف مقاييس التصنيف عند القدماء أن التصنيف الشائع هو جعل الصفات سبعا في ثلاثي ثم في رباعي. يضم الثلاثي العلم والقدرة والحياة، ويضم الرباعي السمع والبصر والكلام والإرادة.

39

يضم الثلاثي صفات الذات المطلقة التي ليس لها محل والتي هي أقرب إلى التنزيه، في حين أن الرباعي قد يتضمن صفات الفعل التي لها محل والتي قد توحي ببعض التشبيه. وهناك بعض الصفات المتكررة، فالقدرة هي الإرادة، والسمع والبصر كلاهما من ضرورات العلم، والكلام هو القرآن أي التعبير عن العلم وإيصاله. فإذا أمكن رد الإرادة إلى القدرة، والسمع والبصر إلى العلم، كان لدينا فقط العلم والقدرة والحياة. وبالتالي يمكن رد الرباعي الذي يخاطر بالتشبيه إلى الثلاثي الذي في أمان التنزيه. يأخذ العلم ثلاث صفات، والقدرة واحدة، وتبقى الحياة. وذلك يعني أن الحياة تظهر في صورتين: العلم والقدرة، أي العقل النظري والعقل العملي . أما الكلام فهو وسيلة الانتقال من النظر إلى العمل، أي أنه الحكم على العالم بالنظر من خلال العمل. ويكون الكلام تعبيرا عن الحياة بشقيها النظري والعملي.

وقد تأتي براهين كلية وشاملة على الصفات السبع كلها مرة واحدة، ودعامتها الأولى استحالة الحدوث والنقص. لذلك ارتبطت الصفات السبع بأضدادها السبع. ما يجب لله وما يستحيل على الله. فالعلم ضد الجهل، والقدرة ضد العجز، والحياة ضد الموت، والسمع ضد الصمم، والبصر ضد العمى، والكلام ضد البكم، والإرادة ضد الكراهية. ويصل أهمية الضد إلى أن تصبح الصفات المضادة صفات. ولما كانت الصفات سبعة معنوية وأضدادها سبعا، وسبعة معان وأضدادها سبعة، فيكون مجموعها ثمان وعشرين صفة.

40

وعندما تتركز العقائد كلها في قطبي التوحيد والنبوة في «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، ويوضع التوحيد كله بين فعلي الاستغناء والافتقار، مستغن عن كل ما سواه، وافتقار كل ما عداه إليه، تظهر ثلاث صفات من الرباعي في الاستغناء، ويظهر الثلاثي مع الصفة الباقي من الرباعي، وهي الإرادة، في افتقار كل ما عداه إليه.

41

ويمكن البرهنة عقلا على الثلاثي بمفرده، أما الرباعي فيغلب عليه البرهان النقلي. لو انتفى من الثلاثي شيء لما وجد شيء من الحوادث، أما الرباعي فيسهل البرهنة عليه من الكتاب والسنة والإجماع بالإضافة إلى استحالة سريان النقص عليها وإبقاء برهان الكمال. لو انتفت القدرة والإرادة كمتعلق لها، والعلم والحياة، لما وجدت المخلوقات حتى يحدث العقل والتأثير والقصد والخلق.

42 (1-1) الثلاثي: العلم، القدرة، الحياة

وكما يكون الثلاثي زائدا، فإنه يكون ناقصا، فتختفي القدرة وتظهر ضمن الحياة، ويكون التركيز على الحياة والعلم فقط.

43

وقد لا يظهر من الثلاثي إلا العلم عندما تتحول الصفات إلى مسائل دون إحصاء لها.

44

وقد يظهر العلم والقدرة وتختفي الحياة. ولكن استقر الثلاثي: العلم والقدرة والحياة، دونما زيادة أو نقصان.

45

وقد اضطرب الترتيب أيضا قبل أن يستقر على هذا النحو. فقد تأتي الحياة قبل العلم،

46

وقد تأتي القدرة قبل العلم،

47

تصديرا للثلاثي.

48

والسؤال الآن: هل يخضع هذا الترتيب النمطي لضرورة عقلية منطقية أم لضرورة حسية واقعية؟ فإن لم تكن الضرورة عقلية منطقية، فكيف يمكن معرفة واقع المؤله إن لم يتم ذلك بقياس الغائب على الشاهد؟ لا توجد ضرورة واقعية في المؤله تقتضي هذا الترتيب: العلم القدرة الحياة؛ لأن المؤله تشخيص لعملية التأليه، أي أننا في ميدان العمليات الشعورية الخالصة وليس له وجود في الخارج، وحتى على افتراض وجود إله في الخارج طبقا لمقتضيات الدليل الأنطولوجي، فإنه لا يمكن الوصول إليه إلا بالعقل، أي أننا لا بد وأن نرجع ثانية إلى عالم الأذهان، وفي هذه الحالة يعطينا الشعور الاحتمالات الستة السابقة، ويكون أولها: العلم القدرة الحياة، هو المعبر عن هذه الضرورة الذهنية. فللعلم والقدرة الأولوية على الحياة لأن العلم والقدرة أقل تشبيها من الحياة، لا يتطلبان محلا، في حين أن الحياة تحتاج إلى محل. ويكون للعلم الأولوية على القدرة لأن القدرة تحتاج إلى محل تظهر فيه في حين أن العلم لا يحتاج لدرجة التنزيه. فالصفة المنزهة سابقة على الصفة التي توحي بالتشبيه، وهو المقياس العام لتصنيف الصفات وترتيبها. والحقيقة أن هذه الصفات ليست معنوية خالصة، فالعلم يقتضي العقل، والقدرة تتطلب الإرادة، والحياة تتطلب القلب أو النفس أو الحرارة. فهي كلها صفات تشبيه وإن كان تشبيها معنويا.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٣٣