106
وهناك عدة حلول متوسطة تحاول الجمع بين نفي الصفات وإثباتها، بين خلقها وقدمها، لأن الاختيار الحاسم لأحد الحلين ليس بأفضل من اختيار الحل الآخر. وتتراوح الحلول الوسط بين الجمع بين الحلين وتقديم نوعين من الصفات وبين إلغاء المشكلة بتاتا والتوقف عن الحكم. وهي ليست كلها على مستوى واحد من الأهمية، ولكنها تكشف عن أن الصفة قد تكون أقرب إلى التحول والصيرورة منها إلى الثبات. وقد تتشابه الحلول المتوسطة وتتداخل حتى توجد الفرق في أكثر من حل واحد. ولكن يجمعها جميعا الرغبة في تجاوز المفارقة التقليدية إلى نوع من الصيرورة والخلق والجدل المتبادل يظهر فيه البعد الإنساني والبعد الإلهي متداخلين متفاعلين بدلا من القسمة العقلية والجدل المنطقي. (6-1) صفة الذات وصفة الفعل
ترمي هذه التفرقة إلى الجمع بين قدم الصفات وحدوثها. صفة الذات تصف الذات وصفة الفعل تصف الفعل. الأولى تصف الباري في ذاته، والثانية تصفه في أفعاله.
107
ولما كان للذات الأولوية على الفعل، فإن لصفة الذات الأولوية على صفة الفعل؛ لأن صلة الذات بذاتها سابقة على صلة الذات بأفعالها. الأولى تدل على تداخل الذات والثانية تدل على تخارجها. الأولى تشير إلى الشيء لذاته، والثانية تشير إلى الشيء لغيره. الأولى صفات ذاتية موجودة قبل وجود موضوعاتها، والثانية فعلية توجد بوجود موضوعاتها. فالباري سميع بصير في ذاته، حتى ولو لم يوجد ما يسمع وما يبصر. مقياس التقسيم هنا هو التفرقة بين الذات والموضوع. وتمتد هذه التفرقة إلى الأسماء فتصبح أيضا أسماء ذات وأسماء فعل لما كانت معظم صفات الأفعال أسماء.
108
وبالرغم من إثبات التفرقة بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية قد يكون كلاهما أقرب إلى القدم إمعانا في إثبات الصفات. فالصفات الذاتية هي الصفات السبع، والفعلية هي الأفعال. وعديد من صفات الأفعال هو تحويل الأسماء إلى أسماء فعل. فإذا كانت صفات الأفعال ضمن العلم، فهي قديمة، وإذا كانت ضمن الأفعال فهي محدثة.
109
وقد تكون التفرقة بين الثلاثي والرباعي أحد الحلول المتوسطة، فإذا كان لا خلاف على الثلاثي العلم والقدرة والحياة في قدمها حيث يسهل فيها التنزيه، فإن الخلاف ينشأ حول الرباعي، السمع والبصر والكلام والإرادة، حيث يعظم فيها التشبيه.
110
قد يكون مقياس التقسيم إذن هو تفاوت درجات التنزيه. فصفات الذات منزهة خالصة بعيدة عن كل تشبيه، في حين أن صفات الفعل توحي بالتشبيه؛ لأنها أقرب إلى العالم وتتعامل مع الموجودات. وقد يعبر هذا المقياس عن صفتي الإطلاق والتقييد، فصفات الذات مطلقة في حين أن صفات الفعل مقيدة. ولا يعني التقييد هنا التعيين والتحدد والنسبية، بل يعني أنها صفات لها محل وتبدو في فعل.
111
وقد يكون المقياس هو القسمة إلى جوهر وعرض، وهي قسمة عقلية تعبر عن تكوين الذهن البشري. فصفات الإنسان صفات جوهرية في حين أن صفات الفعل صفات عرضية. وقد يكون المقياس هو التفرقة الإنسانية بين الفعل والانفعال وذلك لأن جميع صفات الذات صفات عقلية خالصة كالعلم، في حين أن صفات الفعل يغلب عليها الانفعال مثل الولاية والكرم.
112
وقد يكون المقياس هو سلم الأهمية في تصنيف الصفات، فالصفات الأكثر أهمية تكون صفات ذات، والأقل أهمية تكون صفات فعل، ولا يوجد حكم موضوعي على الأهمية، بل يتوقف الحكم على الإحساسات الذاتية الخالصة. فعند البعض الكرم والجود والإحسان من صفات الفعل، وعند البعض الآخر نظرا لأهميتها من صفات الذات والفعل معا. والولاية والعداوة عند البعض نظرا لأهميتها من صفات الذات وليست من صفات الفعل فحسب. والحياة والسمع والبصر نظرا لأنها صفات أولية هي عند البعض صفات ذات في حين أن الرحمة والإحسان والصدق والخلق والرزق من صفات الفعل. وقد يتحول الأمر كله إلى اعتبار الله مخلوقا من البشر ومعبودا منهم بعباداتهم له. فالصفة مخلوقة، والإنسان يخلعها على الله. فصفات الفعل هي صفات تفعيل أي تخليق. فصفات الفعل نظرا لفاعليتها في العالم تكون مخلوقة لاتصالها بالخلق وفي نفس الوقت تكون خالقة لأفعال العبادة وأفعال العبادة تكون خالقة للذات.