تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

94

ولكن يصعب الجمع بين العلم السابق على كون الأشياء والعلم الحادث بعدها، أو إثبات العلم الحادث مع نفي المحل مما يدل على بحث الشعور عن علم استنباطي استقرائي، قبلي وبعدي، وهو علم الوحي أو مبغى الإنسان. إنما تكمن أهمية العلم الحادث في كشفه عن طبيعة العلم البعدي التجريبي، وتقدمه وتجدده باستمرار دونما وقوف أو ثبات مما يوقع في القطعية والتحجر. فتجدد العلم هو أحد معاني تقدم العلم. كان الدافع على القول بخلق الصفات هو تصور العلم على أنه مكتسب تال في وجوده على الموضوع، وهو العلم الاستقرائي الذي يبدأ من الأشياء إلى العقل، ومن الخارج إلى الداخل، ومن العالم إلى الذهن من خلال الحس، وهو الجدل الصاعد في المعرفة. والعلم بالاتصال أكثر دراية من العلم بالانفصال. التماس وسيلة العلم أكثر من التجريد، ويصبح النور حينئذ لغة العلم ووسيلته، فيعلم المعبود ما تحت الثرى بالشعاع المتصل منه الذاهب إلى الأرض كما يحدث أحيانا في أفلام الأبطال وفي التعبير عن معرفة الجن والشياطين. يعلم المعبود بالاتصال بالأشياء بالشعاع النافذ. والشعاع كالنور مماس وغير مماس، ابتعادا عن التجسيم الفاقع.

95

وقد يتحول حدوث الصفات وخلقها في التجسيم إلى حدوث الذات وخلقها، أو قد يكون حدوث الصفات نتيجة طبيعية لحدوث الذات. أما القول بأن الله هو الذي خلق الصفات لنفسها بعد خلق الكائنات فيمكن وضعه على حساب التشخيص.

96

ويثبت حدوث القدرة والحياة بالتبعية مع العلم كما يثبت حدوث السمع والبصر أيضا بالتبعية مع العلم. ولكن يثبت حدوث الكلام والإرادة، كل على حدة، خاصة الإرادة، نظرا لأن الكلام سيأتي موضوعه في خلق القرآن. ومع ذلك يثبت حدوث الكلام نظرا لأن به إخبارا عما مضى.

97

ويتحدث عن أشياء وأشخاص لم تخلق بعد. وبه أمر ونهي من غير مأمور ومنهي حتى صار آمرا ناهيا بعد أن لم يكن. فالكلام إذن حادث حتى يمكن الحفاظ على الذات من أن تكون محلا للحوادث ومشجبا تعلق عليه جميع العواطف والانفعالات الإنسانية. الكلام إذن هو كلامنا المسموع المقروء المدون المحفوظ ولا شأن له بذات الله لا أنه من عنده، مرسل إلينا منه. وهنا يبدو أن الدافع على القول بخلق الصفات هو حماية الذات من كل تشبيه، حرصا على التنزيه، أي رفض كل شبهة تشابه بين صفات التنزيه وصفات التشبيه. ولما كانت الصفات واحدة، وضعت على حساب التشبيه، وأصبحت حادثة، ثم نفيت حرصا على التنزيه .

98

وقد يتعدى حدوث الصفات إلى حدوث الذات، فيصبح الله محلا للحوادث ليس فقط في صفاته بل في ذاته.

أما الدافع على إثبات خلق الإرادة، فهو الدفاع عن الحرية الإنسانية. فلو كانت إرادة الله قديمة لتعلقت بجميع المرادات قبل خلقها، وبالتالي ينتفي خلق الإنسان لأفعاله ولاختياره الحر. لو كانت الإرادة قديمة لكان المراد معها، فكيف يتأخر المراد عن الإرادة؟ لا بد من حدوث إرادة في غير محل أو حدوثها في ذاته، وكلاهما محال. أما فعل «كن» فإنه مجرد، صوت حادث، لا يعبر عن أي إرادة قديمة. خطورة إثبات قدم الإرادة أو القدرة هو اصطدامها بخلق الأفعال وحرية الإرادة. حتى لو قيل بقدم العلم والكلام، فإنه لا يمكن القول إلا بحدوث القدرة والإرادة نظرا لتعلقهما بأفعال الإنسان. لو كانت الإرادة قديمة لتعلقت بالمرادات على العموم دون الاختصاص، ولأدى ذلك إلى اجتماع الضدين وإلى هدم حرية الأفعال والاختيار الإنساني الحر؛ لأن الإرادة الإلهية تظل قديمة أقوى من إرادة الإنسان الحادثة الكسبية. كما أن الإرادة القديمة هي المسيطرة على الإرادة الحادثة، وبالتالي تسيطر الإلهية على فعل الإنسان وكسبه.

99

لو كانت الإرادة أزلية لكان الخير والشر مرادين، فيكون المريد موصوفا بالخيرية والشرية والعدل والظلم، وذلك قبيح في حق القديم، وذلك لأن مريد الخير خير ومريد الشر شر. إن أقصى ما يمكن عمله هو تصور الإرادة لا في محل. وجعلها صفة فعل إذا كانت القدرة صفة ذات.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٢٧