تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

89

وكما يقع التمييز في إثبات الصفات بين العلم والقدرة والكلام والإرادة من ناحية، وبين الحياة والسمع والبصر من ناحية أخرى، فإن تمييزا آخر يقع بين صفات المعاني وصفات الأفعال بالنسبة للقدم. فإذا كانت صفات المعاني مثل الصفات السبع قديمة، فإن صفات الأفعال نظرا لتأثيرها في العالم واتصالها بالحوادث قد تكون حادثة أو مخلوقة، وذلك مثل العزة والرحمة والأمر، وقد تكون قديمة طبقا لدرجة الصفة بين المعنى والفعل خاصة إذا كانت الحجج النقلية بها هذا الاشتباه بين القدم والحدوث.

90

ويكون السؤال: وأي من صفات الفعل تكون قديمة، وأيها تكون مخلوقة؟ ما هو مقياس الحكم؟ لماذا تكون العزة قديمة ويكون الأمر مخلوقا؟ وكيف يمكن ضبط درجة الصفة بين المعنى والعقل؟ وهل تكفي الحجة النقلية وحدها، وهي ظنية، في أن تكون دليلا على موضوع قطعي؟ وهل يمكن إحصاء صفات الأفعال مثل التخليق والترزيق والإنعام والإحسان والرحمة والمغفرة والهداية؟ وما الفرق بين صفات الأفعال والأسماء؟ الأسماء المشتقة من الصفات قديمة وهي أسماء الأفعال، مثل: الرازق والخالق والمعز والمذل، وهي على أربعة أنواع. ما يدل على ذاته وهو أزلي، ما يدل على الذات مع زيادة سلب كالقديم والباقي والواحد والغني، وهو أيضا أزلي، ما يدل على الوجود صفة زائدة من صفات المعنى كالحي والقادر والمتكلم والمريد والسميع والبصير والعالم، وما يرجع إلى هذه الصفات السبع كالآمر والناهي والخبير ونظائره، فهو أيضا أزلي، وما يدل على الوجود وإضافة إلى فعل كالجواد والرزاق والخالق والمعز والمذل وأمثاله، وهو مختلف عليها بين القدم والحدوث لأنها لا تكون قبل الخلق. والعجيب أنه لم يقل أحد مع قدم الصفات ببقاء الصفات. فقد يكون معنى قدم الصفات بقاءها في المستقبل وليس فقط قدمها في الماضي، وأن القدم يتضمن البقاء ضرورة.

91

أما حكم الحدوث أو الخلق فإنه يعتمد على عديد من الحجج النقلية والعقلية. والحجج النقلية في حقيقة الأمر بالإضافة إلى أنها ظنية متشابهة تنقلب إلى الضد ولها حجج نقلية مضادة، إلا أنها نظرا لارتباطها بموضوع الحرية الإنسانية وهي يقين فإن صحة السمع تقاس على صحة العقل، ويرد ظن النقل إلى يقين العقل.

92

ومع ذلك فهناك أدلة نقلية عديدة تثبت حدوث الصفات وخلقها، وتجعل الذات متفردة بالوعي الخالص الذي لا شبهة فيه ولا شائبة. وتفيد هذه الحجج على أن علم الله، وهي الصفة النموذجية في إثبات الحكم أو نفيه، علم تجريبي بعدي، يتحقق في العالم، ويتغير طبقا لقدرات الإنسان، ويقاس عليها، وهو ما اتضح في «الناسخ والمنسوخ» في أصول الفقه.

93

وقد تحول ذلك إلى حجة عقلية لإثبات حدوث العلم. فما دام يتعلق بالمعلومات، والمعلومات حادث، فالعلم حادث. وقد يكون الدافع على ذلك الحرص على التنزيه، تنزيه الذات من تشبيه الصفات. فإذا كان التنزيه حالة شعورية خالصة لا تعبر عن أي مضمون ثابت في الشعور أو موضوع في العالم الخارجي، فإن كل علم بهذا العالم الخارجي يكون علما بعديا لا قبليا، ومن ثم يكون علم الشعور بها علما بعديا كذلك. وبالمثل يمكن القول بأنه كان هناك شعور عام وهو صورة مطلقة للشعور الفردي، كان ولا شيء معه، فلما حدث الخلق علم به وأظهر قدرته فيه، وبالتالي تكون الصفة أي اسم الفعل تابعة للأشياء لا سابقة عليها. ولما كانت الأشياء مخلوقة فالصفات تابعة للأشياء المخلوقة وتكون مخلوقة مثلها أي حادثة. العلم لا يكون إلا علما بشيء، والقدرة لا تكون إلا قدرة بشيء، ولا بد من وجود الأشياء قبل وجود العلم والقدرة، ومن ثم كان العلم والقدرة حادثين بعد وجود الأشياء. إذ كيف يكون العلم قديما والمعلوم حادثا؟ العلم لا يكون قبليا بل هو علم بعدي خالص. الله عالم بأن العالم قد وجد قبل هذا وهو في الأزل أن عالما به كان جهلا وإن لم يكن عالما كان جهلا وإن لم يكن عالما وكان الآن عالما فعلمه حادث.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٢٦