تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

وقد بدأ القدماء بالأحكام المرفوضة، وهي النفس والهوية والحدوث، ونحن نبدأ بالمذاهب المرفوضة أيضا: الإثبات والغيرية والقدم.

11 (2) الإثبات والنفي

وقد يبدأ القدماء في العادة بحكم المساواة والزيادة قبل حكم الإثبات والنفي، في حين أن حكم الإثبات والنفي هو الحكم الأولى، بعده يأتي حكم المساواة والزيادة أو حكم الحدوث والقدم. فاعتبار الصفات زائدة على الذات إثبات لها، واعتبارها عين الذات نفي لها. إثبات الصفات وقوع في التشبيه، ونفيها إثبات للتنزيه. تعني الصفات هنا الصفات الحسية التي يشارك فيها الإنسان ويقوم إثباتها على التضحية بالتنزيه من أجل إثبات الصفات وتفادي إثبات ذات خالصة مجردة لا طعم ولا لون ولا صفات ولا أفعال لها. ونظرا لأهمية الحكم، فإن إثبات الصفات يظهر أحيانا كعنوان للموضوع وليس مجرد مسألة حكم في الصفات.

12

ونظرا لأهمية إثبات الصفات سمي أهل السنة والأشاعرة الصفاتية، وهو لقب أعطوه هم لأنفسهم في مقابل إعطائهم لنفاة الصفات لقب المعطلة، واستعملت الألقاب كسلاح ضد الخصوم وللدفاع عن الذات.

13

فنفي الصفات وصف للخصم واتهام له بالتعطيل في مقابل مدح الذات وتعظيمها وإعطائها لقب الصفاتية. ونظرا لأهمية إثبات الصفات أصبح التوحيد مرادفا له.

14

وعند بعض الحركات الإصلاحية الحديثة التي اقتربت من المعتزلة وظلت أشعرية في التوحيد اعتزالية في العدل لا تثبت الصفات بما فيه الكفاية وتكون أقرب إلى النفي، ولكن مع الإصرار على التنزيه وعدم الوقوع في التشبيه الذي هو في العادة نتيجة طبيعية لإثبات الصفات. فتثبت الصفات وتنفي الكيفية فيكون لله سمع لا كسمعنا وبصر لا كبصرنا، أي تحصيل حاصل، خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، إثبات الشيء ونفيه في آن واحد. ويظل الفكر الديني المعاصر في مواجهة الأشعرية، يتعامل بأسلوبها كي يتحرر منها، فيظل أسيرا لها دون خرق الحصار والخروج عن الطوق استنادا إلى الاعتزال القديم واعتمادا على تجارب العصر. وفي حركة إصلاحية أخرى قد يتم إثبات الصفات في مواجهة الأشعرية، وكأن الأشعرية نفي للصفات نظرا لأنها لا تقول بالتشبيه صراحة وتنفي الكيفية.

15

والحقيقة أنه لا يمكن إثبات السمع والبصر ثم نفي التشبيه ونقول سمع لا كسمع الآدميين وبصر لا كبصرهم، فتلك خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، إقدام وإحجام، نفي وإثبات، تنزيه وتشبيه، وسير في المكان، «محلك سر».

16

والواقع أن إثبات الصفات لا يعني بالضرورة الوقوع في التشبيه، بل يعني أن حالات الشعور ليست صفات تابعة لحركته، بل هي وحدات مستقلة موجودة بوجوده. فهي في نفس الوقت معنى ووجود. الصفات إذن ليست مجرد حالات ذاتية، بل هي صفات موضوعية. لا يوجد عالم بلا علم ولا قادر بلا قدرة.

17

هذا الإشكال كله ناتج عن طبيعة الصلة بين الذات والموضوع. فإذا كان نفي الصفات رجوع الذات إلى ذاتها، فإن إثبات الصفات رغبة مستمرة في التخارج وإيجاد موضوع فتشتق الذات موضوعا من ذاتها لا تثبته كموضوع في ذاتها وليس بالضرورة خارجا عنها. فالعالم يوجب العلم، والقادر يوجب القدرة، والحي يوجب الحياة، وهو ما يحدث في بناء الخطاب عندما تولد العبارة الإنشائية وجودا خبريا، وعندما يوجب التمني الواقع، وعندما تخلق الذات من نفسها موضوعا تخاطبه فتتوحد مع نفسها، وتصبح ذاتا وموضوعا، موجودا كاملا.

والحجج النقلية على إثبات الصفات كثيرة،

18

ولكنها في نفس الوقت معارضة بحجج نقلية أخرى لنفي الصفات. كما أنها توحي بالتشبيه مما يوجب تأويلها حرصا على التنزيه، وبالتالي يمكن قلبها فتصبح حججا مضادة لنفي الصفات. ويصبح إثبات الصفات مناقضا لظاهر النص وحكم الشرع، ويتحول إلى إثبات آلهة متعددة قديمة متغايرة ومتميزة عن الله. وما الداعي في التحديد إذن بسبع أو بسبع عشرة صفة؟ ما المانع من الزيادة إلى ما لا نهاية وإثبات الجلال والإكرام والجبروت والكبرياء، والحمد والقوة والحلم والكرم والعظمة والهبة واللطف والسع والشكر والود كصفات؟ صحيح أن الأشاعرة قد احتاطت وجعلتها أسماء ولكنها حددتها أيضا بتسع وتسعين، «له الأسماء الحسنى»، وكلمات الله لا تنتهي، وصفاته وأسماؤه لا حد لها.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١١١