تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

92

| الفصل السادس: الوعي المتعين (الصفات)

| أولا: أحكام الصفات

(1) مقدمة

بعد الوعي الخالص وهو الذات التي تتسم بأوصاف ست: الوجود، والعدم، والبقاء، والمخالفة للحوادث، والقياس بالنفس، والوحدانية، ينتشر هذا الوعي خارجه ويتحقق درجة أكثر ويصبح الوعي المتعين أو الشخصية الإنسانية. ويتصف بصفات سبع: العلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة.

وأحكام الصفات واحدة بالرغم من تعدد الصفات. والحديث عن الصفات هو حديث عنها كلها في مسائلها العامة قبل أن يكون حديثا عن كل صفة على حدة، الواحدة تلو الأخرى. فإثبات العلم يدخل في إثبات الصفات أو نفيها أكثر من دخوله في صفة العلم. وقدم الكلام يدخل في قدم الصفات أو حدوثها أكثر من دخوله في صفة الكلام.

1

فبعد ذكر الصفات الواحدة تلو الأخرى ومعنى أحكام الصفات يذكر إثبات العلم بها وإثبات قدمها كمسائل مشتركة بينها جميعا. وقد تظهر أحكام الصفات بعد الصفات عندما تتصدر الصفات على الذات.

2

تظهر أحكام الصفات إذن مرة قبل تعدادها واحدة واحدة، ومرة أخرى بعد الصفات كعامل مشترك بينها.

3

والحقيقة أن أحكام الصفات تتجاوز الصفات ومسائلها، كلا على حدة، فهي أحكام عامة تشملها كلها، يتفق عليها الجميع أو يقع فيها الخلاف ثم تكون كل صفة مسألة تطبيقية للحكم العام. يمكن إذن إثبات الصفات بوجه عام أو نفيها بصرف النظر عن صفة بعينها، ولو أن الصفة المفضلة عند القدماء هي صفة العلم للتمرين عليها وضرب المثل بها على إثبات العلم، تتلوها القدرة، ثم الحياة، ثم باقي الصفات الأربع. وبالرغم من اعتراض بعض القدماء من أن إثبات أحكام الصفات أولا ثم التوصل منها إلى إثبات العلم بالصفات ثانيا مسلك ضعيف سلكه عامة الأشاعرة، إلا أنه أقرب إلى العقل. إذ يرد الحكم العام قبل الخاص، وتثبت الصفات أولا كمبدأ وأساس قبل أن تثبت صفة العلم أو كل صفة على حدة.

4

وإذا أتت أحكام الصفات قبل الصفات فإن ذلك يقتضي أن تكون أعرف منها، فلا يصح تعريف المعرف بأقل منه وضوحا. العام قبل الخاص، والأساس قبل المؤسس، وعلم الأوليات سابق على كل العلوم.

ماذا تعني أحكام الصفات؟ الصفة عند الأشاعرة هي ما قامت بالشيء، والوصف قول الواصف الدال على الصفة.

5

وأحكامها ليست أحوالا أو صفات، بل أقرب إلى الأسس العقلية التي تحدد علاقات الصفات بعضها ببعض وعلاقاتها بالذات. هي وجوه واعتبارات أي منطق وأحكام قضايا.

6

وهناك طريقان لإثبات أحكام الصفات: الأول النظر والاستدلال والثاني الضرورة والبديهة، وكلاهما قسمان للعلم. ويلاحظ هنا عدم وجود فهم خبري سمعي لأنه ليس برهانا قطعيا ولا يولد إلا الظن، والبرهان لا يكون إلا يقينيا.

7

ولم تظهر أحكام الصفات العامة إلا ابتداء من القرن الخامس عندما قل التعامل مع كل صفة على حدة وزاد الإحكام العقلي لإدراك المسألة ككل. وهناك أحكام ثلاثة طبقا لصياغة مسألة الصلة بين الذات والصفات، وبعد حصر الصفات في سبع وتميزها عن الأوصاف الستة: حكم الإثبات والنفي، وحكم المساواة والزيادة (الهوية والغيرة)، وحكم القدم والحدوث. وقد يضرب المثل بصفة مختارة لبيان كل حكم، العلم والقدرة بالنسبة لحكمي الإثبات والنفي، والمساواة والزيادة، والكلام لحكم القدم والحدوث. وأحيانا تظهر الأسماء مع الصفات وتتكرر المسائل من جديد مما يدل على نقص الإحكام النظري والتمييز بين الأحكام العامة ثم الأحكام الخاصة في موضوعات تطبيقية.

8

وقد تتداخل الأحكام الثلاثة، ويستنبط أحدها من الآخر نظرا لوجود نسق عام يحكمها كلها. وهو السبب في إثارة سؤال: هل إثبات الصفات أو نفيها نتيجة لإثبات قدمها أو حدوثها أم أن إثبات قدم الصفات وحدوثها نتيجة لإثبات الصفات؟

9

لذلك يكتفى أحيانا بذكر حكمين دون الثالث.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١١٠