54
ومع ذلك تظل القسمة الثلاثية للخطاب إلى أمر ونهي وخبر هي القسمة الغالبة، ويضم الأمر والنهي معا في مقابل الخبر.
فما هو الأمر والنهي؟ هل هما الإثبات والنفي على مستوى العقل وليسا على مستوى الفعل؛ إذ إن الحكم إما عقلي أو فعلي؟ النفي والإثبات متصلان في العقل، وقد يكونان منفصلين في الوجود؛ فلو أمكن للعقل نفي المعدوم منطقيا إلا أنه في الوجود لا ينفي إلا الموجود. فإذا تداخل الإثبات والنفي في العقل فإنهما قد يتمايزان في الوجود. فإذا كان الإثبات في العقل والنفي حكمين كليين؛ إثبات الشيء هو إثباته من جميع أوجهه، ونفي الشيء هو نفيه من جميع أوجهه، فإنهما في الوجود حكمان جزئيان؛ فإثبات شيء هو إثبات محمول، والمحمول أحد وجوه الموضوع؛ فإثبات صفة لا يعني إثبات كل الصفات، ونفي صفة لا يعني نفي كل الصفات.
55
وإذا كان في حكم العقل أن الأمر بشيء نهي عن ضده، فإنه في الوجود قد لا يكون كذلك؛ فالحكم الشرعي لا ينقلب. الأمر الشرعي قد لا يكون نهيا عن ضده، والنهي عن شيء قد لا يكون أمرا بضده. الحكم الشرعي خاص بالفعل وليس عاما للعقل، والمواقف الإنسانية خاصة وإن تكررت في مواقف أخرى مشابهة، ولكن الإنسان لا يقيس فعلا واحدا على فعل واحد آخر في نفس الموقف.
56
في الأفعال صفات موضوعية وجودية لا يمكن قلبها حضورا وغيابا، وجودا وعدما. وهو أحد مكتسبات الإنسان المتعين في قدرته على التمييز بين الحسن والقبيح العقليين كصفات موضوعية في الأشياء؛ حتى يبدو التوافق والتطابق بين العقل والطبيعة.
57
لذلك انقسمت الأفعال إلى أحكام خمسة كما هو معروف في الأحكام الشرعية في علم أصول الفقه: الوجوب والندب والإباحة، والكراهية والحظر أو التحريم. فالأمر يعني الوجوب، والنهي يعني الحظر عقلا، ولكنهما قد يعنيان درجتيهما الممكنتين؛ أي الندب والكراهة بدلالة، وقد يعني الأمر المباح أيضا بدلالة، بل قد يتوسع البعض ويدخل الصيغ الإنشائية من ترغيب وإرشاد في الأمر، وتهديد ووعيد وإهانة وتأديب في النهي؛
58
لذلك ارتبط الأمر والنهي بموضوع القدرة التي تكون وراء تحديدات درجات الأمر والنهي بين الضروري والممكن. وكما هو الحال في التمييز بين الحكم العقلي والحكم الفعلي، فكذلك الأمر في القدرة؛ فالقدرة على الفعل قد لا تكون قدرة على الترك بالضرورة، والقدرة على الترك قد لا تكون قدرة على الفعل بالضرورة.
59
ويكون الأمر والنهي بالظاهر منعا للتأويل من حيث المبدأ؛ فالتأويل استثناء وليس قاعدة.
60
أما الخبر فقد ورد من قبل في تواتر الرسالة وشروط التواتر، وهو ما يرد أيضا في الدليل الثاني وهو السنة في علم أصول الفقه، ولكنه هنا هو أحد صيغ الخطاب بعد الأمر والنهي، وليس منهجا للنقل وطريقا للرواية.
61
والقول أعم من الخبر؛ فالكلام يشمل الخبر وغيره. القول يشمل القضايا الخبرية والإنشائية على السواء. وأهم شيء في الخبر كصيغة في الخطاب هي نظرية الصدق والتمييز بين الخطاب الصادق والخطاب الكاذب؛ فلم يعد المطلوب هنا هو الصدق التاريخي؛ أي صحة النقل من حيث السند، بل صدق الخبر ذاته من حيث المتن. وقد يكون الصدق صوريا خالصا بمعنى اتفاق الخبر مع المبادئ الكلية للعقل، وهو الصدق النظري الخالص. وقد يكون صدقا ماديا صرفا بمعنى مطابقة الخبر للواقع طبقا لمبدأ التحقق. والواقع هنا هو الواقع الإنساني وليس الواقع الكوني وعقائد الثنوية في النور والظلام. قد يكون صدقا إنسانيا خالصا بمعنى صدق الفعل ومطابقته للنية والقصد؛ وبالتالي انتفت الجبرية من صدق النية والقصد، فالنية أحد أفعال الحرية، والجبر ليس به حرية قصد أو اختيار نية؛ فالصدق والكذب ليسا ضروريين؛ أي كون الصادق صادقا بالضرورة والكاذب كاذبا بالضرورة، بل الصدق مرهون بالحرية والعقل.