47
والمجمل والمفسر، ثم تأتي مباحث المعاني مثل دليل الخطاب أو مفهوم الخطاب؛ من أجل فهم المعنى مباشرة دون المرور بتحليل الألفاظ، كما يمكن فهم الدلالة ليس فقط من اللفظ، بل أيضا من الفعل؛ فعل النبي. فما دام الخطاب تكليفا وأمرا فإنه إذا ما تحقق هذا الأمر في فعل، فإن هذا الفعل يكون خطابا متحققا له نفس الدلالة اللفظية في الخطاب. وقد يدخل موضوع النسخ مقرونا بالخبر، وهو أحد أقسام الخطاب، كأحد وسائل التراجيح حين تعارض الخبرين، ولكنه في الحقيقة أدخل في تطور النبوة.
48
وبالرغم من أن التكليف يكون ابتداء؛ نظرا لحصول الإنسان على حرية الإرادة واستقلال العقل؛ نتيجة لتطور الوحي واكتماله وتحقيق غايته بشرط البلوغ، إلا أنه أيضا يكون لغاية، وهو استمرار تحقيق الوحي كنظام مثالي للعالم تزدهر فيه الطبيعة من خلال الفعل الإنساني الفردي والجماعي. التكليف ابتداء نابع من طبيعة المكلف، ومع ذلك فيه تحقيق لمصالح الناس، والتكليف من طبيعة الإنسان، ومع ذلك له إرادة لحدوثه وإرادة لكونه وإرادة لفعله.
49
ويظل النظر أول الواجبات على المكلف؛ أي فعل العقل وليس عمل اليد، ويبدأ النظر إما ضرورة أو بداهة أم استدلالا، على ما هو معروف في نظرية العلم وقسمته إلى ضروري ونظري.
50
ويظل السؤال بعد ذلك عن المعارف العقلية التي يتم الحصول عليها بالنظر بنوعيه؛ فهي معارف نظرية أولا، مثل العقائد المعرفة بالله وبصفاته وعدله وحكمته وجواز الرسل والتكليف، ثم تفصيل أركان الشريعة. فتبدأ المعارف من التوحيد إلى العدل إلى النبوة؛ أي من العقليات بأصليها إلى أول موضوع في السمعيات ينتهي إلى تحقيق أحكام الشريعة. وقد تبدأ المعارف بالنفس أولا ثم بالمعارف النظرية ثانيا؛ أصلي التوحيد والعدل، وما دون ذلك من أحكام الشريعة لا يعرف إلا بالخبر. والحقيقة أن هذا الفصل بين المعارف النظرية والتحقيقات العملية يجعل النظر موضوعا مستقلا بذاته؛ موضوعا ومنهجا، ويجعل العمل موضوعا منفصلا عنه؛ موضوعا ومنهجا أيضا، وهو ما يعارض التطور الطبيعي من النظر إلى العمل.
51
ولا يعني التكليف أن هناك مكلفا ومكلفا؛ فذاك تشخيص للتكليف وتصوير له على أنه أمر بين طرفين، من أعلى إلى أدنى، مثل تشخيص النبوة وجعلها علاقة بين طرفين؛ أعلى وأدنى. فالحياة والعلم ليسا صفتين في المكلف، بل هما شرطان للتكليف، والعقل والإرادة ليسا صفتين في المكلف، بل هما شرطان للتكليف، والعقل والإرادة ليسا صفتين للمكلف، بل هما أيضا شرطان للتكليف؛ فلا تكليف لميت جاهل بليد عاجز.
52
وللتكليف أسس موضوعية في صفات الفعل المكلف به، ولا يمكن أن يتحول الأمر إلى نهي، والنهي إلى أمر، بمجرد إرادة المكلف، وإلا كان ذلك إلغاء للطبيعة والعقل، وهدما للحسن والقبح العقليين، وهما من مكتسبات العدل.
53
وبعد التأكيدات على أن الخطاب هو تكليف وأمر، ينقسم الخطاب إلى أربعة أقسام: أمر ونهي وخبر واستخبار. وقد يضم الاستخبار إلى الخبر؛ لأن الاستخبار هو طلب الخبر؛ وبالتالي لا يكون قسما مستقلا؛ وبالتالي تكون قسمة الخطاب ثلاثية؛ أمر ونهي وخبر. ولما كان النهي هو ضد الأمر كان الأمر هو الأساس، خاصة إذا كان الأمر بشيء نهيا عن ضده، والنهي عن كل شيء أمر بضده عند من يجوز القلب العقلي في الأحكام دون البنية الموضوعية والموقف الحياتي لها؛ وبالتالي تكون ثنائية؛ أمر وخبر، ولكن أين باقي الصيغ والتي يمكن جمعها في الصيغة الإنشائية، مثل التمني والتعجب والاستفهام؟ بل لقد أضاف القدماء صيغا أخرى، مثل الوعد والوعيد والطلب والشفاعة والتلهف والاستثناء. وقد تكون القسمة كلها واحدة لما كان الخبر أيضا نوعا من الأمر غير المباشر؛ فالقصص مع أنه إخبار عن أحوال الأمم السابقة إلا أنه درس وعظة وعبرة لتقوية الأمر في بداية القصة أو في نهايتها، فالخبر أمر يتضمن وسيلة الاقتناع به وطرق الإيحاء من أجل تحقيقه، وإلا كان مجرد أمر صوري عسكري غير مشفوع برجاء أو تمن. وصيغ الإنشاء لا تدل على حطة منزلة، بل تدل على رفعة القدر، ومن تواضع للإنسان رفع. أما قسمة الخطاب المفيد إلى اسم وفعل وحرف، فهي قسمة لغوية صرفة، ليس لها دلالة مباشرة في خطاب التكليف، مع أنه يمكن حتى في هذه الحالة رؤية الفعل والفاعل؛ فالاسم هو الفاعل المكلف، والفعل هو التكليف، والحرف هو الرابطة التي تربط الفعل والاسم في الزمان والمكان.