36
ولا يوجد خلاف أكثر اتساعا من الخلاف حول الدليل الرابع وهو القياس. ويعتمد إنكار القياس على سببين رئيسيين: الأول إثبات العلم السمعي الضروري وكفايته دونما حاجة إلى علم عقلي مساعد أو مكمل أو مؤسس، والثاني مخاطر العقل والقياس واحتمالات الخطأ فيه. والحقيقة أن الدفاع عن العلم السمعي لا يكون بهدم العقل؛ لأن العقل أساس النقل، بل إن الأدلة الثلاثة الأولى التي هي أقرب إلى السمع، الكتاب والسنة والإجماع، لا تقوم إلا على الدليل الرابع وهو العقل؛ فالعقل أساس النقل، والإجماع عقل جماعي، ولا يفهم الكتاب والسنة بل لا ينقلان إلا بالعقل؛ فالاتفاق مع العقل شرط التواتر. وماذا عن الجهد الفردي في الفهم؟ وماذا عن دور الإنسان في الفهم والنظر؟ ليس العقل هادما للنقل، بل مؤسس له ومؤول له؛ حتى يكون للنقل دعامة يقوم عليها، وحتى يكون له أثر يحدث فيه.
37
أما مخاطر العقل فهي متوهمة لا أساس لها؛ إذ كيف يؤدي العقل إلى الاستبداد بالرأي، العقل هو التنوير، والتنوير ضد الاستبداد بالرأي. القطيعة مضادة للعقل؛ لأن العقل يقوم على البرهان. القطيعة جزم ترفض البراهين المضادة، والعقل حوار يخضع للبراهين المضادة.
38
وحتى على افتراض الجزم في الرأي والقطع فيه، فإن ذلك لا يبرر الاعتقاد؛ لأن الاعتقاد دون رأي تقليد، كما وضح ذلك في نظرية العلم في المقدمات النظرية الأولى. والرأي ليس اعتقادا أو تقليدا أعمى، بل هو برهان يقيني، والعقل هو التوسط لا التطرف؛ إذ يستطيع العقل إحكام الأطراف ومعرفة البناء والرؤية المحايدة والتجرد والنزاهة، في حين أن الهوى أحادي الطرف، متميز منحاز.
39
ولا يعني احتمال الخطأ في القياس عدم شرعيته؛ فكل اجتهاد قد يخطئ وقد يصيب، والمجتهد يخطئ ويصيب، وللمخطئ أجر وللمصيب أجران. وقواعد القياس وأشكاله قادرة على أن تضمن صحة القياس، كما أن تعدد الأقيسة لا يعني التشتت والتضارب والاختلاف؛ وبالتالي تكافؤ الأدلة؛ فالأقيسة عامة وشاملة يتفق عليها كل الناس، وتعدد المذاهب والآراء لا يطعن في صحة الرأي، بل يبين تغاير المصالح من جماعة إلى جماعة، ومن فرد إلى فرد، ومن مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان. وفي علم أصول الفقه، الحق متعدد والصواب كثير ما دام يؤدي إلى تحقيق مصالح العباد. والخلاف النظري لا ينفي وحدة العمل، ووحدة العمل لا تتطلب وحدة النظر بالضرورة.
40
ولا يعني العقل أي تفضيل للنظر على العلم أو للتأمل على الفعل؛ فالعقل نظري وعملي، تأملي وفعلي. العقل النظري هو الباحث والسائل والموضح والكاشف، والعقل العملي يوجه نتائج العقل النظري إلى الحياة العملية. وكل مسألة نظرية لا ينتج عنها أثر عملي فخارجة عن علم الأصول.
العقل ليس شبهة يبدأ بها تاريخ العالم. وكيف يبدأ تاريخ العالم كله بشبهة العقل؟ هل لأن اللعين الأول قاس واستدل؟ وعلى هذا النحو يكون الفكر الإنساني الآن عودا إلى الشبهة الأولى أو تكرارا لها في شبهة ثانية، ويكون العقل الإنساني هو استمرارا لعقل الشيطان! فقد نشأت الشبهات في آخر الخليقة بتحكيم العقل أيضا؛ لأن العقل يخلط بين المستويات منذ أول الخليقة! فهل نشأت الشبهات في أول الخليقة بتحكيم العقل؟ هل تاريخ الحضارة الإنسانية هو تاريخ الضياع والضلال؟ إن العقل هو وسيلة درء الشبهات، وتوضيح اللبس، وإحكام المتشابهات، والتمييز بين المستويات.
41
هناك القياس الجلي الذي يكون الفرع فيه أولى بالحكم من الأصل، وهناك القياس الذي فرعه من معنى أصله دون أن يكون أحدهما أولى من الآخر، وهناك القياس بغلبة الأشباه والترجيحات. هناك قياس العلة، وقياس الدلالة وقياس الشبه. كل ذلك من أجل دقة المعنى والوصف، وليس من أجل الاشتباه. إن قياس إبليس طلب للعلة، وطلب العلة إحكام الظواهر وإدراكها في علاقتها بالمعلول. طلب العلة هو البحث عن السبب من أجل سيطرة الإنسان على قوانين الطبيعة والتنبؤ بمسارها.