تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33

والإجماع حجة غير نصية، وإن كان يعتمد على نص يؤخذ أساسا للعقل. والنص هنا قد يكون متواترا أو آحادا أو مشهورا؛ وبالتالي ترجع قطعية الإجماع أو ظنيته إلى نوع النص الذي يقوم عليه، وفي هذه الحالة يلحق الإجماع بأحد الدليلين النصيين. أما العقل الجمعي فهو نوع من الاستدلال الجماعي يقوم به علماء الأمة. صحيح أن الإجماع هو عمل جماعي للعقل، يعبر عن وعي تاريخي يعطي مزيدا من الاطمئنان، أكثر مما يعطي الاستدلال الفردي، كما أنه يحول النص من ظن إلى يقين؛ لأنه يعطي له فهما في الزمان والمكان ومضمونا في التاريخ، وهذا مما يدعو البعض إلى إثبات حجية الإجماع.

34

ومع ذلك فللإجماع حدود تجعل البعض الآخر أقرب إلى نفيه كحجة في الاستدلال.

35

فالإجماع يرتبط بتفسير جماعة في زمان ومكان معينين. ولما كان نصه أقل عمومية وأكثر خصوصية من نصوص الكتاب، فهو غير ملزم إلا للعصر الذي انعقد فيه دون العصور التالية، وإلا كان ملزما لكل العصور، وكان ذلك عائقا عن التقدم، ومانعا من الإبداع وأقرب إلى التقليد. إن الإجماع خاضع لمصلحة العصر، ولما كانت المصالح متمايزة، ما يكون مصلحة لجماعة قد يكون مضرة لأخرى في عصر آخر، أو لنفس الجماعة في نفس العصر، كان ملزما فقط لعصره. فإلزامه كل عصر يجعله قوة على الإبداع، ودافعا على التقدم، ويقلل التبعية للقدماء، ويخفف من ثقل الماضي، كما أنه يصعب أحيانا التفرقة بين الإجماع والتقليد. فالإجماع إن لم يكن قائما على يقين؛ أي إنه إذا لم تتوافر شروطه ، وغالبا ما لا يحدث ذلك، فإنه يكون تقليدا خفيا. ومن شروطه ضرورة اعتماده على أصل نقلي متواتر، وأن يكون تاما، وألا يعارض إجماعا سابقا؛ فالمصالح تتغير ولكن لا تنقلب، إلى آخر ما هو معروف في علم أصول الفقه من شروط المجتمعين في العلم والفضل، بل هناك صعوبة في الاتفاق على شروط ثابتة للإجماع الصحيح. فما زال الأساس النظري للإجماع خاضعا للرأي والظن والهوى والمصلحة، مثل: هل هو إجماع خاص أم عام؟ هل هو أهل الحل والعقد أم عامة المسلمين؟ كم عدد المجتمعين؟ هل هناك حد أدنى للإجماع؟ هل هو إجماع مطلق أم إجماع بالأغلبية؟ وما هي حدود الأغلبية؟ ما هو هدف المعارضة؟ ماذا لو كانت معارضة واحد فقط؛ هل يبطل الإجماع؟ وفي علم أصول الفقه ما يجعل الأسس النظرية للإجماع أسسا خلافية؛ وبالتالي كيف يكون أساسا للاستدلال ودليلا للعقل الجمعي؟ وتخضع نصوص الإجماع لما تخضع له نصوص الوحي من تفسير وتأويل، وكل تأويل هو اختيار اجتماعي، أو هو إسقاط نفسي من المفسر الذي هو في الحقيقة نتاج اجتماعي؛ وبالتالي يتحول الخلاف في الإجماع إلى خلاف حول تأويل النصوص، ونعود إلى الحجة النصية من جديد، ويزداد الأمر صعوبة إذا ما ظهر الإجماع كحل لمشكلة التعارض بين النصوص في الكتاب أو السنة أو بينهما معا؛ فتعارض نصوص الكتاب ظاهري وله حله؛ إما في النسخ أو في التأويل، في حين أن التعارض بين نصوص الإجماع حقيقي؛ إما لخطأ في النقل، أو لتغاير المصالح من عصر إلى عصر، ومن جماعة إلى جماعة في نفس العصر. وقد يكون هناك إجماع على الشيء وضده في آن واحد في عصرين مختلفين، أو عند جماعتين مختلفتين في عصر واحد. إن نص الإجماع في نهاية الأمر هو حجة سلطة، وليس حجة عقل، وإن كانت حجة السلطة تقبل في نصوص الوحي؛ لأنه غير معرض للخطأ في الفكر أو في الرواية، إلا أنه لا يمكن قبولها في نص الإجماع المعرض للخطأ في الحكم، والمرتبط بمصلحة عصر معين وجماعة معينة، والمعرض لخطأ في الرواية. وإذا كان الإجماع هو إجماع أهل الحل والعقد أو إجماع العامة، فغالبا ما يكون الحكم تعبيرا عن الوضع الطبقي للمجتمعين؛ فاختيار العلماء غير اختيار العامة. صحيح أنه نظرا وشرعا لا فرق بين الاختيارين إذا كان الطرفان يتمثلان الحق، ولكن ما يحدث عملا هو أن أحكام الإجماع إنما تعكس الأوضاع الطبقية للمجتمعين وصلتهم بالسلطة السياسية، أكثر مما تعكس حقيقة أو تصنع يقينا. وهناك فرق بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن ما دمنا مع بشر؛ أي مع أهواء ومصالح. وفوق ذلك كله يجوز الإجماع في اللغة وفي التشريع، ولكنه يصعب في النظريات؛ أي في الاعتقاديات؛ لأن أساس النظر بات يقيني ثابت، في حين أن العمليات تراعي الظروف والمصالح؛ فلا يجوز الاستدلال بالإجماع في موضوعات علم أصول الدين وإن جاز في موضوعات علم أصول الفقه.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٨٠