تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

27

وكما أن دورها في أداء الوظائف التي يطلبها الله منها، فإن دورها أيضا في السجود للإنسان؛ لأن الإنسان أعظم منها وأقدر بالتكليف والتمكن منه بحرية الإرادة واستقلال العقل، كما أنها تسجد لله سجودها للإنسان، وكأن الإنسان مع الله في قيمة السجود لله! ولقد أعلم الله الملائكة مسبقا بجعله الإنسان خليفة له في الأرض، كقرار علني من أجل قبول علني؛ حتى تنتفي الأعذار ويستحيل الرفض والإنكار، وكان جزاء الطرد من الجنة والتحول من النقيض إلى النقيض؛ من الملاك إلى الشيطان، ولا شفاعة لها خارج قانون الاستحقاق. (2) الموضوع العملي

إذا كان الإيمان بالله يدخل في العقليات في أصل التوحيد، والقضاء والقدر في أصل العدل، واليوم الآخر في المعاد، والرسل في النبوة، لم يبق إلا الكتب وهي الموضوع الحسي الوحيد المنقول من جيل إلى جيل نقلا متواترا حتى الآن وإلى نهاية الزمان. الإيمان بالكتب إذن هو أقرب الموضوعات إلى الحس وأبعدها عن الغيب؛ كتب الوحي أو كتب التاريخ والآثار. أما الكتب فهي وحدها الباقية، والكتب هي التوراة والزبور والإنجيل والقرآن،

28

وهي الكتب الموجودة لدينا حتى الآن، ولكن أين صحف إبراهيم؟ هناك روايات كثيرة عنها عند أهل الكتاب، وقد تكون لها مصادر عربية مفقودة، خاصة وأن إبراهيم كان معروفا في الجزيرة العربية، وكان دين الحنفاء موضع احترام وتعظيم فيها، وقد وضع القدماء التوراة قبل الزبور، على خلاف الترتيب الزماني؛ ربما لأهميتها ولاحتوائها على الشريعة. وللقرآن أسماء أخرى، مثل الفرقان والكتاب والذكر. وكل كتاب يعبر عن مرحلة من مراحل الوحي السابقة، وتتبع هذه المراحل يؤدي إلى اكتشاف قانون تطور النبوة، منذ الإعلان الأول حتى اكتمال الوحي، والكتاب في متناول الإنسان؛ يمسكه بيده، ويقرؤه بلغته، ويفهمه بعقله، ويحققه بفعله. الكتاب إذن هو مضمون النبوة الحسي العملي، وهو مجرد وسيلة وليس غاية، مجرد أداة وليس هدفا. إنما الهدف هو تحقيق الرسالة المتضمنة فيه. ولكي يتم ذلك هناك ثلاث مراحل؛ الأولى إثبات الصحة التاريخية للنقل منعا للتحريف والتبديل، والثانية الفهم الصحيح منعا لسوء الفهم والتأويل، والثالثة تطبيق الشريعة منعا للإيمان الميت. والكلام النظري غير ممكن الوقوع. يتضمن المضمون العملي للرسالة إثبات صحتها وفهم نصوصها وتطبيق أوامرها، وهنا يتحول علم أصول الدين إلى علم أصول الفقه ويصب فيه، وتعود إلى علم الأصول وحدته المفقودة بين النظر والعمل؛ وعلى هذا النحو لا يصبح موضوع النبوة من الموضوعات المتعالية، بل يكون مسار الرسالة في التاريخ. ولأول مرة يظهر الإسلام كجزء من النبوة، كما اتضح في الحركة الإصلاحية الحديثة، في متناول الرسالة العامة، انتقالا من المجردات والنظريات إلى الوقائع المحسوسة، ومن التوحيد إلى النظم؛ فالإسلام وانتشاره في التاريخ هو معجزة النبوة، ولكنه ظل حديثا عاما عن الإسلام في التاريخ، وانتشاره ومآثره، وتكوين جيل وقادة، وقضاء على إمبراطوريات ودول، ونشأة نظم جديدة، أو تقريظ للإسلام والدفاع عنه إعجابا بالماضي، وربما تعويضا عن هزائم العصر. وظل أيضا مدحا للشريعة الغراء دون تحقيقها علميا، وبيان المسافة بين المثال والواقع ووسائل التنفيذ. وهو حديث خارج الزمان والتاريخ، وبلا أرض أو شعب أو شعب أو وطن، وكأنها مدائح نبوية أو تواشيح دينية أو مدائح سلطانية. ويرتبط بذلك الدفاع عن الإسلام ضد الانتقادات المعاصرة وشبهات الغربيين، مثل دعوى انتشار الإسلام بالسيف تنكرا لمبادئ الإسلام، وتعلم الرسول الشريعة من أسفاره إنكارا للوحي. ومع ذلك هناك جذور عند القدماء إلى العودة بالنبوة إلى التاريخ والدخول فيه؛ وذلك بإظهار الإسلام ذاته وعرض شريعته طبقا لحاجات المسلمين. فينتظم الحديث في ثلاثة أقسام رئيسية؛ العبادات وهي أركان الإسلام الخمس مع الجهاد دون تخصيصه كركن سادس، المعاملات وتشمل الأحوال الشخصية والحدود والمحرمات والمباحات والأموات، الشرعيات وتشمل الأدلة الشرعية والفرق بين العقليات والشرعيات.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٧٨