23
والملائكة الذين شهدوا بدرا أفضل ممن لم يشهدها منهم، والجن قياسا على ذلك في المؤمنين منهم، ولكن إذا كان اختيار الملائكة والجن في بدر أو عدم اختيارهم لا يرجع إليهم بل إلى الله، فكيف يستحقون الفضل دون غيرهم وليس لهم فضل فيه؟ وقد تم ذلك كله في إطار معجزات الرسول في الحرب، ومنها اشتراك الملائكة والجن إكراما له ورضا عنه. والتنبؤ بمصارع المؤمنين في بدر ومواطنها قد يتم بناء على معرفته بشجاعة الرجال وقلة العدد (ثلاثمائة تقريبا) وضيق المكان وفنون المبارزة. أما رمي الرسول المشركين بكف من حصى، فشاهت وجوههم، وأصاب بها أعين جميعهم وهم بالآلاف، فإنما ذلك تقوية لنفوس المسلمين وشحذا لهممهم. وقد تؤدي كثرة العدد إلى زحام بين الكفار في بحثهم عن المؤمنين القلائل، وفي الزحام يضيع الإنسان ويفقد رؤيته لمن يبحث عنه، خاصة لو كان عدد المشركين بالنسبة للمؤمنين عشرة إلى واحد. أما رمي الرسول كافرا بحجر فكسر رباعيته، فلم يولد من نسله إلا أهتم، ثم دخول حلقتين في وجنته، ونزع أحد المؤمنين لهما بأسنانه فكان أحسن الناس هتما، فهو تقابل عضوي بين الخير والشر، بين أسوأ هتم وأحسن هتم، بين الرسول كفاعل والرسول كمفعول فيه، وكلها صور فنية من سير الأبطال لاسترعاء انتباه السامعين، خاصة لو كانوا يعيشون جو الهزائم وحالات الإحباط.
24
ويقال في الجن ما يقال في الملائكة، من حيث إنها تدخل ضمن عقائد الإيمان عند الشراح المتأخرين؛ فهي مثلها قادرة على التشكل، والاحتجاب عن الأبصار، والقدرة على الإتيان بالأفعال العظيمة، ولكنها تختلف عنها في أنها ليست نورانية، بل نارية، وأنها مكلفة تطيع وتعصي؛ فمنهم المؤمنون ومنهم الكافرون.
25
والحقيقة أنهما معا يعبران عن عالم واحد، وهو عالم التمني والرغبة في تجاوز الحس، وقلب العجز مقدرة، وتحويل التناهي إلى لا تناهي. والفرق بين الملائكة والجن هو مجرد فرق في الدرجة، وليس فرقا في النوع، يتمايزان فيما بينهما فقط في درجة الشرف ومرتبة الكمال؛ فالملائكة أعلى من الجن من حيث الطاعة والإيمان، ولكن الجن أقرب إلى الإنس منهم إلى الملائكة؛ لأنهم مكلفون يعيشون حياة البشر من طعام وشراب وتناسل، ويسترقون السمع، فهم وسط بين كمال الملائكة ونقص البشر.
لذلك تراوح القدماء فيما بينهم في موضوع الملائكة بين الإثبات والإنكار؛
26
فالإثبات يعتمد على النصوص الواردة، وهي في معظمها، باستثناء نصوص أصل الوحي، آحاد أو مشهورة لم تبلغ درجة التواتر، وكلها وضعت في عصور متأخرة، مستمدة من الخيال الشعبي وقصص الأبطال. والحقيقة أن موضوع النبوة هو عالم الإنس وليس عالم الجن، وعالم البشر وليس عالم الملائكة، وعالم الشهادة وليس عالم الغيب. والملائكة من السمعيات الخالصة، في حين أن موضوع النبوة من العقليات؛ أي المصالح العامة. وليس بإثبات الملائكة تقام مصالح الناس، وليس بإنكارها تنهدم وتعطل؛ فهي موضوع نظري خالص أقرب إلى القصص وشحذ الهمم وتقوية المعنويات، والإيمان بها موجود في كل الديانات، وليس منها ما يخص خاتم النبوة وآخر مرحلة تطور الوحي، وهي في النهاية موضوعات ثانوية لوظائف ثانوية، وسائل وطرق وليست موضوعات وغايات. والله قادر على الحديث مع الأنبياء، وعلى قبض الأرواح، وعلى تقدير الأرزاق، وعلى بعث الموتى، بلا واسطة الملائكة، وهو قادر على معرفة أفعال العباد بلا كتبة أو حفظة، كما أنه قادر على تسيير أمور الجنة بلا رضوان، وتدبير شئون النار بلا مالك، ولا يحتاج إلى حملة عرش من تحته أو من حوله، فلا يمكن التضحية بالتنزيه من أجل التشبيه، أو بالعقليات من أجل السمعيات.
والحقيقة أن «الملائكة» في أصل الوحي ليسوا أساسا موضوعا للإيمان، بل وسيلة لرد الإنسان إلى نفسه وإرجاع البشر إلى ذواتهم، ببيان الفرق بين الاستحالة والإمكان، بين اللامعقول والمعقول.