تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

أما بالنسبة لسوء فهم النصوص وتزييف العقائد، فتأتي عقيدة التثليث كنموذج فريد؛ فقد تمت استعارة لغة الأبوة والبنوة من التوراة ومن الديانات القديمة، والتي على أساسها قامت كل العقائد الأخرى الباطلة المناقضة لشهادة الحس وأوائل العقل وبداهة الوجدان. وهي لغة مجازية تم تأويلها حرفيا لتصبح حقيقة، مع أن كثيرا من النصوص من داخل الأناجيل نفسها تؤيد أن المسيح إنسان وليس إلها. ويعترف المسيح نفسه وعلى لسانه بأنه نبي وأنه ابن الإنسان، وقال ذلك مرات عديدة أكثر مما قال إنه إله أو ابن الإله؛ فالألوهية قد أعطيت للمسيح فيما بعد من الأجيال اللاحقة؛ فهي رؤية بعدية، إسقاط من الحاضر على الماضي، وليست رؤية قبلية من الماضي إلى الحاضر، وقد ساهم في ذلك أبناء الكنيسة، وكانوا وراء كل ضلال. وزاد على ذلك أثر اليهودية على النصرانية، بالرغم من تحذيرات سلس، وتأكيده على التمايز والانفصال ضد الخلط والاتصال، وقد اتضح هذا التناقض أيضا في نظرية الكلمة في أول إنجيل يوحنا. وهناك تطاول على القدرة الإلهية وطعن في التوحيد، فليس المسيح إلا نبيا لا شأن له بالأب. وكيف يتوالد الابن عن الأب؟ وهي كلها في الحقيقة معان مجازية تدل على درجة القرب والتعاطف بين البشر، ولكن تحولت ألقاب المسيح، مثل الابن والمعلم والسيد، إلى عقائد فعلية شخصية شيئية، وليس مجرد وصفه بأنه الابن الصالح، كما أن علاقة المسيح بالكون متناقضة؛ إذ إنه بشر وإله وطبيعة في آن واحد، وامتحان الشيطان للمسيح يدل على أنه أقوى منه؛ فكيف يكون الشيطان أقوى من الله؟ وهناك تناقضات عديدة أخرى في رواية الصلب، حول من حمل جثة المسيح، وحول اللصين؛ مرة كلاهما كافر، ومرة واحد كافر والآخر مؤمن، وكذلك في أقوال المسيح على الصليب. وقال المسيح بالرجعة ولم يرجع؛ مما يدل على عدم تحقيق النبوة، كما وعد المسيح أنه أتى ليتكلم بلغة لا يعلمها أحد ولم يتحقق الوعد. وهناك أيضا تناقضات في رواية البعث وفي تصوراته؛ فكيف يجلس المسيح على يمين الله؟ وهناك تناقضات أخرى عديدة بالنسبة للملائكة وأمور المعاد. والروح القدس ليس خاصا بالمسيح وحده، ولكنه عام لكل الأنبياء؛ وبالتالي فلا مجال لتفضيل نبي على بني أو في تفضيل البشر على الأنبياء، وتشويه صور الأنبياء السابقين، مثل التناقضات التي في رواية يحيى المعمدان. وكيف يقوم التلاميذ بمعجزات وفيهم الجبان والخائن؟ وكيف يشك التلاميذ المؤيدون بالروح القدس في المسيح وفي نفس الوقت يجرون المعجزات؟ وهل كانت مريم على دين المسيح والتلاميذ أم على أي دين؟

19

أما بالنسبة لقضايا الأخلاق والسلوك فإن عقائد الخطيئة الأولى والخلاص والفداء تعارض حرية الاختيار والمسئولية الفردية وقانون الاستحقاق. هناك إجبار متبادل من الله على الإنسان ومن الإنسان على الله، وكل ضد العدل كما كان التجسد ضد أصل التوحيد، كما أن كثيرا من الوعود التي أعطاها المسيح بالنسبة إلى مغانم الدنيا لم تتحقق. وكثير من الشرائع المنقولة عنه لا تطابق العقل والواقع، ولا ندري من خلال النصوص؛ هل رسالته رسالة حرب أم سلام؟ والحقيقة أن كل هذه النتائج لها ما يؤيدها في علم النقد التاريخي للكتب المقدسة، الذي نشأ بعد ذلك في الحضارة الغربية الحديثة بأكثر من ألف عام. اعتمد القدماء فيها على المادة الموجودة في عصرهم، ولم يستعملوا أحكام القرآن على الكتب السماوية الأخرى، إلا كافتراضات يمكن التحقق من صدقها في التاريخ.

20

| عاشرا: مضمون الرسالة

تنتهي النبوة في آخر المطاف إلى كونها رسالة متواترة؛ أي صحيحة تاريخيا، وبعد ذلك يأتي الموضوع الأخير وهو مضمون الرسالة وفحوى الخطاب، وهو الموضوع الذي تناوله علم أصول الفقه، ومع ذلك توجد بعض مواده في علم أصول الدين، ويكون السؤال: هل مضمون النبوة غيبي أم حسي؟ نظري أم عملي؟ عقائدي أم تشريعي؟ وإذا كانت موضوعات النبوة غيبية فهل يمكن إثباتها حسيا؟ وإذا كانت حسية، فهل هي أشخاص انقضى نحبها أم كتب ما زالت متواترة؟ وإذا كانت الكتب فهل هي وسيلة أم غاية. هل الكتب مغلقة على نفسها أم تحيل إلى شيء آخر هو قصدها وغايتها وهدفها الذي هو خارج الكتاب؟ كيف يمكن الانتقال من اللغة لفظا ومعنى إلى اللغة باعتبارها إحالة إلى الأشياء في العالم الطبيعي؟ وهل العالم هو عالم الأشياء أساسا أم عالم البشر؟

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٧١