فالتوراة التي بين أيدينا اليوم محرفة ومبدلة، وليست منزلة من عند الله، ولم تبق التوراة واحدة لم تتغير ولم تتبدل عبر الأجيال؛ فتاريخ النص يثبت هذا التغيير والتبديل، سواء أثناء قيام الدولة أو بعد انقراضها. وتخالف السبعينية توراة عزرا الأولى وليست مطابقة لها. ولا يوجد اتصال بين الأنبياء والرواة، بل تنقطع سلسلة الرواة ولا تتعدى كونها مشهورة، وهي مملوءة بالأخطاء التاريخية؛ فهناك تواريخ يقص فيها موسى حياته قبل مولده وبعد وفاته، وضعها الأحبار على لسانه؛ فقد كان لهم دور بارز في التحريف والتبديل في النصوص والشرائع، وهي مملوءة بالاضطراب الزماني، وتحتوي على خلط في الأنساب، واضطراب في إحصاء الأجيال، كما أنها مليئة بالوقائع المعارضة لحوادث التاريخ وعلوم الطبيعة والجغرافيا، في وصف أنهار الأرض ومصابها ومنابعها وروافدها، ويناقض بعضها البعض من حيث التحديدات المكانية؛ مما يكشف عن خطأ المترجم ووضع الأحبار؛ فالتوراة مناقضة للواقع التاريخي والجغرافي (النقد الخارجي)، ومتناقضة فيما بينها (النقد الداخلي، ومراجعة الكتاب على نفسه).
15
وبالنسبة للقضية الثانية، سوء فهم العقائد، فهي مملوءة بالتشبيه وهو مضاد للتنزيه، وتوحي بعض عباراتها بتعدد الآلهة. وكيف يصارع يعقوب الله أو الملائكة؟ كيف يعجز الله صراع يعقوب؟ وما الفائدة من صراع نبي وملاك؟ كل ذلك مظاهر للتشبيه. وكيف يجوز البداء على الله؟ وكثيرا ما تبطل النبوات وينكر البعث والجزاء. وفي المعجزات تقوم السحرة كما تقوم الأنبياء بإجراء المعجزات، وكثير من رواياتها تناقض الحس والعقل.
16
أما القضية الثالثة الخاصة بالسلوك فإن كثيرا من أشعارها مثل «شعر الأشعار» (نشيد الإنشاد) كلام أحمق لا يعقل، مضاد للأخلاق ولتنزيه الله. وكثير من مطالبها مضادة للكمال الخلقي، ومحال أن تأتي شريعة الأنبياء بما لا يفهم أو يضاد الأخلاق. وتتناقض التوراة مع القانون الخلقي للاستحقاق ثوابا أو عقابا في إهلاك قوم لوط؛ الصالحين والطالحين. والنبي مضاد للأخلاق كما هو الحال في قصة ضيوف إبراهيم المنتحلة؛ إذ كيف يرتكب الأنبياء المحرمات؟ وكيف يقع أبناؤهم وبناتهم في المحرمات؟ كيف يطيع النبي أهواء قومه؟ وأخيرا لم يتحقق المعاد في التوراة باحتلال العبرانيين من الفرات إلى النيل وإن كانوا قد احتلوا فلسطين وأجزاء من لبنان وسوريا ومصر.
17
أما بالنسبة للإنجيل فتبرز نفس القضايا الثلاث: التحريف في النصوص، سوء فهم العقائد، وأخيرا قضية السلوك الخلقي. فبالنسبة للقضية الأولى يبدأ تاريخ المسيحية بمؤامرة يهودية نفذها بولس، مثل مؤامرة عبد الله بن سبأ، فبولس هو المسئول عن تبديل المسيحية ووضع شرعة جديدة، وهناك عديد من المتناقضات داخل كتب النصارى مع التاريخ والوقائع والحوادث، واختلاف في التواريخ وعمر الأجيال من آدم إلى إبراهيم، وهو خلاف قائم أيضا بين السبعينية وتوراة اليهود. وفي الأناجيل أيضا تناقضات بالنسبة للتوراة، فهل هي نسخ لها؟ والاختلافات في الروايات في الزمان والمكان والرتبة والمال كثيرة، مثل رواية اختيار المسيح للتلاميذ في الأناجيل الأربعة، وروايات جحد التلاميذ له مرة قبل أن يصيح الديك ومرة بعده، وتناقضات في روايات الإيمان عند التلاميذ. وكيف يعطي المسيح للتلاميذ قوة على الأسباط الاثني عشر وفيهم يهوذا؟ وهناك اختلافات كثيرة بين الأناجيل الأربعة، كما أن هناك أناجيل أخرى كثيرة غير الأناجيل الأربعة تحتوي على كثير من أقوال المسيح الصحيحة، ولكن لا تعترف بها الكنيسة؛ لأنها لا تقر بعقيدة التثليث. وهناك تناقضات في دخول المسيح القدس، وتناقضات في نسب المسيح في بدء الخلق وهي فواتح الأناجيل الأربعة، كما أن معجزاته مضطربة ومتناقضة تقوم على الكذب في النقل. ولا توجد تفرقة بين السحر والمعجزة كما هو الحال في التوراة؛ فالأنبياء الكذابون يقومون بإجراء المعجزات. وكثير من أمثال المسيح غير مطابقة للواقع؛ مما يدل على وضعها خاصة في أمثال الزرع، والمسيح غير خبير بالفلاحة مثل الذي وضعها. وتثبت مقدمة إنجيل لوقا بأن الأناجيل مؤلفة باعترافه من نصوص سابقة، وليست رواية متواترة أو شهادة عيان مباشرة.