30
وإذا كان الرسول قدوة في السلوك وأسوة حسنة للناس، فقد رسب في وعينا القومي أضداد الصفات أكثر من استقرار الصفات ذاتها؛ فتوارى الصدق وراء التهور أو البلادة، وجعلنا الأعراض البشرية مستحيلة، ورفعنا الزعماء إلى مصاف الآلهة، فلا تموت ولا تمرض، وأضفينا عليها صفات الوجوب، وقدسناها عن صفات الاستحالة.
وبالرغم من محاولة بعض الحركات الإصلاحية الأخيرة تحويل صفات النبي الأربع إلى خصائص للرسالة العامة، فالتبليغ أساسا هو إبلاغ الناس الخبر وإيصال الرسالة؛ وبالتالي القضاء على تشخيص النبوة، التي قد تكون هي الجذر التاريخي لتشخيص السياسة والمبادئ والرسالات في أشخاص الرؤساء، سرعان ما تحولت من جديد تحت أثر علوم السيرة إلى نبوة مشخصة، بل وامتدت الخصال الأربع وتكاثرت وأصبحت بالعشرات، وتحولت من صفات محددة خاصة بتبليغ الرسالة إلى صفات بدنية وجسمية ومزاجية خاصة، مثل حسن صورته وبياض وجهه المشوب بالحمرة ونور عقله وذكاء لبه وحكمه وعفوه وصبره وجوده وسخائه وسماحته وشجاعته ونجدته، ثم تمتد الصفات الفردية إلى الصفات الاجتماعية، مثل حسن عشرته وأدبه ورحمته ووفائه وتواضعه وعدله وعفته وزهده ووقاره وصحته وهيبته، والاعتقاد بنجاة أبويه نظرا لنجاة أهل الفترة كلها، هكذا بلا أعمال أو استحقاق، أو بعد إحيائهما من جديد وإيمانهما به، وكأن الله مسيح آخر يبعث الموتى من القبور قبل يوم الدين، وهو ما يظهر في المدائح النبوية والتواشيح الدينية التي تسمع في الموالد والأعياد، كما تسمع الأغاني في مدح صفات الزعماء.
31
| تاسعا: تواتر الرسالة
إذا كانت النبوة تقوم على أربعة أطراف؛ المرسل والمرسل إليه والرسالة والمرسل إليهم، وكان النبي موضوع التوحيد، والمرسل إليه هو شخص النبي كتشخيص للنبوة بقيت الرسالة والمرسل إليهم. وأهم ما تتطلبه الرسالة بعد التبليغ هو تواترها؛ أي صحتها التاريخية وبقاؤها بلا تزييف أو تبديل أو تحريف، ثم فهمها حتى يمكن أخيرا تطبيقها في الحياة العلمية، وتحويلها إلى شريعة وإلى نظام مجتمع ودولة.
1
وتواتر الرسالة ليس معجزة قديمة، ولا حتى إعجازا جديدا، ولا حفظا إلهيا؛
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ، بل هو نتيجة لعمل علمي تاريخي في البحث عن مناهج النقل وطرق الرواية. فصحة الوحي التاريخية ليست معجزة، بل هو عمل المؤرخين والرواة والنقل وعلماء الحديث. ومما ساعد على ذلك كتابة الوحي منذ ساعة الإعلان؛ فلم يمر بمرحلة شفوية قد يحدث فيها التغيير والتحريف والتبديل. حفظت نصوص الوحي كتابة، وانتقلت من يد إلى يد حتى جمعها، ثم جمع الحديث بعد ذلك بمناهج النقل الشفاهي التي وضعها علماء الحديث ومنها التواتر. لقد حفظ الوحي في آخر مراحله ودون كلمة ومعنى، في حين أن الوحي كتابة، وانتقلت من يد إلى يد حتى جمعها، ثم جمع الحديث فقط لعدم تدوين الوحي لحظة الإعلان، ثم جمعه بعد ذلك دون معرفة بمناهج النقل وطرق الرواية، بل طبقا لمقاييس عقائدية صرفة؛ العقيدة الغالية، أو عقيدة السلطة الدينية، أو طبقا لقرارات هذه السلطة ذاتها؛ حصارا للعقائد المعارضة وتطويقا لها.
2
والوحي المكتوب أو الشفاهي قبل التدوين هو نقل أو سمع، وكلاهما خبر، والمخبر ليس جزءا من الخبر؛ لأن الخبر يكون جزءا بوجود السامع، لا بوجود المتكلم، هذا بالإضافة إلى أن المرسل باعتباره مخبرا أولا هو موضوع التوحيد في نظرية الذات والصفات والأفعال، والمرسل إليه باعتباره مخبرا ثانيا مجرد وسيلة؛ فالنبوة ليست شخصا، بل رسالة؛ فلم يبق إلا الرسالة والمرسل إليهم؛ أي الخبر والسامع.
والخبر كلام يحتمل الصدق والكذب؛ أي إنه قول أو خطاب يمكن التحقق من صحته وصدقه؛ لذلك لم تدخل العبارات الإنشائية ضمن الخبر، ولكن هل يعني ذلك أن التمني والتعجب والاستفهام والتساؤل والاستنكار وكل الصيغ الإنشائية لا يمكن إيجاد وسيلة للتحقق من صدقها؟ هل هي مجرد صيغ إنشائية لا تعبر عن واقع على الإطلاق، أي واقع، حتى ولو كان واقعا شعوريا؟ وهل الصيغ الخبرية خبرية تماما دون أن يكون فيها إنشاء، سواء فيما يتعلق بسلامة الإدراك أو خطئه أو بحياد الشعور وميله أو بصحة القضايا وكذبها؟ ألا يعبر الخبر نفسه عن رغبة في وصف الواقع وإصدار أحكام عليه كما هو؟ وهل هناك واقع مجرد دون رؤية إنسانية؟ أليس الواقع نفسه مكونا من مكونات الموقف الإنساني؟ ولماذا يدخل النفي والإثبات والمدح والذم والتعجب عند القدماء في الخبر، ويخرج الاستفهام والأمر والنهي والأسف والتمني والسؤال؟ أليس التعجب صيغة إنشائية مثل السؤال والتمني؟