25
كما أن إثبات النبوة عن طريق إثبات الصانع وقدرته لا تؤدي إلى شيء؛ لأنه لا يمكن نفي الصانع وإثبات النبوة؛ فالنبوة أساسا رسالة، والذي يهم هو مضمونها وليس مصدرها. لا تنشأ بقرار من سلطة مطلقة، ولا تعني وجود معلم لم يتعلم، بل تعني نداء الواقع للفكر، وطلب رسالة أثر وقوع أزمة في التطور الإنساني، والتعثر في ارتقاء الوعي البشري.
26
فإذا لم تكن النبوة شخص الرسول، فهل هي صفة فيه أم صفة خاصة بالرسالة التي يحملها؟ وإن كانت صفة فيه فهل هي فطرية أم مكتسبة؟ والحقيقة أن النبوة ليست صفة في شخص الرسول؛ فذلك أيضا تشخيص للنبوة في صفات النبي، بل هي صفة للرسالة التي يحملها؛ تواترها، ومضمونها، وتحقيقها. فلا تتوقف النبوة عند النبي، بل تستمر في الرسالة إلى نهاية الزمان، طالما أن هناك مكلفا قادرا على الفعل والتمييز. وعلى افتراض أنها صفة للنبي فهي صفة لا فطرية ولا مكتسبة، أو هي فطرية ومكتسبة في آن واحد؛ فالنبوة ليست مجرد اختيار أمر بالتبليغ، بل صفة حالة في النبي؛ فهي في هذه الناحية فطرية وليست مكتسبة، من الداخل أكثر من الخارج؛ ومن ثم فلا احتياج إلى أمر خارجي، بل إلى ظروف الاضطهاد والظلم التي تفجر طاقات النبي الدفينة. تعني فطرية عند القدماء أنها هبة من الله، وهذا أيضا عود إلى المحور الرأسي في النبوة، وإلى إرجاع النبوة إلى المرسل وليس إلى المرسل إليهم ثم إلى الرسالة. النبوة فطرية لأنها تمثل استعدادات خاصة في النبي، وفي نفس الوقت مكتسبة لأنها تنشأ في ظروف القهر والاضطهاد، ويأتي النبي محررا للأمة من التسلط والطغيان.
27
وإذا كان النبي هو قائد الجماعة، وهو المؤهل بصفاته لمهمة القيادة، فهل تكون النبوة جزاء؟ وإذا نجح في رسالته وحقق غايته وانتصرت الجماعة، فهل عليها ثواب؟ النبوة ليست جزاء بل اختيار لأفضل القوم زعيما لهم؛ لصفاته وقدراته وأهليته. وكيف تكون جزاء ولم تتم بعد؟ وعلى أي شيء يكون الجزاء ما لم تتحقق؟ الجزاء، ثوابا وعقابا، لكل فعل، والنبوة باعتبارها فعلا يكون لها الجزاء بهذا المعنى، ولا تكون في الأصل ابتداء؛ لأن الاختيار يكون بناء على الأهلية والقدرة، وإلا كان الاختيار عشوائيا بلا سبب،
28
ولا فرق في ذلك بين رجل وامرأة ما دامت النبوة مركزة على الرسالة وليس على الشخص؛ وبالتالي لا يهم جنس مبلغ الرسالة، ذكرا كان أم أنثى، فالشخص ما هو إلا وسيلة للتبليغ، ولكن الواقع من تاريخ الأديان أن الأنبياء الذكور هم الغالب على الأنبياء الإناث، على مدى تاريخ النبوة، وفي كل مراحل الوحي؛ نظرا لما تتطلب النبوة من مهام الحرب وفنون القتال، ومن واقع التاريخ البشري وإحصاء قادة الحرب فإن الغالبية كانت من الذكور.
29
وقد تحولت الصفات في العقائد المتأخرة في إطار نظرية الوجوب والجواز والاستحالة؛ ما يجب للرسول وما يمتنع عليه وما يجوز له من صفات، وكانت النتيجة أربع صفات للوجوب، وأربعة أضدادها في الاستحالة، وصفة واحدة في الجواز؛ وبالتالي يجب على المسلم كما آمن بواحد وأربعين عقيدة في الله أن يؤمن بتسع عقائد في الرسول. ولما كانت الصفات الأربعة الثانية فيما يستحيل على الرسول مضادة للصفات الأربع الأولى، فيما يجب للرسول، أمكن وضعها في أربع صفات واحدة إثباتا ونفيا، إيجابا وسلبا، فالاستحالة هي قلب للوجوب؛ الأولى يجب عليه الصدق ويستحيل عليه الكذب، فالصدق أول شرط للتبليغ؛ والثانية تجب عليه الأمانة وتستحيل عليه الخيانة، والأمانة في التبليغ مثل الصدق فيه؛ والثالثة يجب عليه التبليغ ويستحيل عليه الكتمان، والتبليغ هو الإعلان، وهو الغاية الرئيسية من النبوة، ووظيفتها الأولى؛ والرابعة تجب عليه الفطانة ويستحيل عليه التهور أو البلادة؛ لذلك نجحوا في قيادة الأمم وفي تأسيس الدول. وتجوز عليهم الأعراض البشرية من موت وفناء ومرض وعجز وشيخوخة وطعام وشراب وجماع ونوم؛ فالنبي ليس إلها، ولا خالدا، ولا يصعد إلى السماء، ولا يسير على الماء، بل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.