تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13

ثم يطرح موضوع العصمة من الحاضر إلى الماضي، ومن آخر مراحل النبوة إلى أولها عبر التاريخ، ومن خاتم الأنبياء إلى الأنبياء السابقين، والغرض من ذلك تأصيل موضوع العصمة الحالية تاريخيا إثباتا أم نفيا؛ وبالتالي تستعمل أخطاء الأنبياء السابقين؛ إما لإثبات العصمة أو لنفيها وتأويلها. والحقيقة أن موضوع العصمة لدى الأنبياء السابقين مرتبط بتاريخ النبوة؛ فكان لا يعير النبي السابق أفعال العصيان؛ لأنها مظهر من مظاهر القوة والعظمة، مثل داود وسليمان في علاقاتهم النسائية، ومثل موسى في القوة والتشيع لقومه على حساب الحق وشمول المبادئ وعموم القيم. فكل نبي يعبر عن مرحلة نبوته؛ فهناك أنبياء لهم صفة الملك دون الفضيلة، مثل داود وسليمان، وأنبياء لهم صفة القوة دون الحق، مثل موسى. أما محمد خاتم الأنبياء؛ أي النبوة في مرحلتها الأخيرة، فقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق. ففي المراحل السابقة: النبوة - الملك، أو النبوة - القوة، يجوز فيها العصيان؛ وبالتالي تنتفي العصمة. أما في المرحلة الأخيرة في مرحلة النبوة - القدوة، أو النبوة - فلا يجوز فيها العصيان.

14

كما يطرح السؤال بالنسبة ل «الملائكة» بدافع المبالغة، بمقارنة الأنبياء بالملائكة، وإن كان الاتفاق على عصمة الملائكة أسهل؛ فهم ليسوا مكلفين؛ وبالتالي ليسوا محاسبين، وهم ليسوا بشرا؛ وبالتالي ليسوا أحرارا عاقلين في موقف الاختيار بين الحسن والقيبح. لا يفعلون الخير إلا جبرا، باستثناء إبليس الذي أثار استعمال حريته في الاعتراض والرفض؛ فكان جزاؤه استعمال الحرية إلى أقصى حد، وإمهاله وإعطاءه الزمان كله لتحدي حرية الإنسان ذاتها.

15

ولو أن إبليس عند البعض لم يكن من الملائكة بل كان من الجن، وباستثناء هاروت وماروت، ولو أنهما أيضا عند البعض لم يكونا من الملائكة. وإدراج إبليس مع الجن في اللغة تغليبا. وقد زادت التفاصيل فيه في العقائد المتأخرة إلى حد جعل الجن متعبدين بالإسلام، طعامهم الروث والعظام. وربما لم يسأل إبليس الله النظرة، وربما لم يعص إبليس بتركه السجود لآدم، ولكن لجحده بالله. وكذلك زاد التفصيل في قصة هاروت وماروت، وأنهما ليسا ملكين عصيا الله وشربا الخمر، وحكما بالزور، وقتلا الناس، وزنيا ، وعلما زانية اسم الله الأعظم، فطارت به إلى السماء، فمسخت كوكبا وهي الزهرة، وأنهما عذبا في غار بابل، وأنهما يعلمان الناس السحر. والحقيقة أن إبليس هو رمز الحرية والرفض وتحدي الإنسان. أما هاروت وماروت فإنها قصة في نفس السياق؛ يتلو الشيطان على ملك سليمان، ويعلمان السحر، فيفرقون بين المرء وزوجه، ويضررون بالناس، ولكن الإنسان قادر على الدخول في التحدي ومقاومة الشر والدفاع عن صالحه وكيانه. (ج) تفضيل الأنبياء

فإذا كان الأنبياء يسري عليهم ما يسري على باقي البشر من الأخطاء، فهل يتفاضلون فيما بينهم أو يتفاضلون مع غيرهم؟ يعرض القدماء أولا مسألة التفضيل بين الأنبياء والملائكة؛ أيهما أفضل، قبل أن يعرضوا لتفضيل الأنبياء فيما بينهم، ثم يأتي بعد ذلك التفضيل بين الأنبياء والأئمة ما دام كلاهما يشاركان في العصمة أو في القيادة والزعامة، ويأتي ثالثا التفضيل بين الأنبياء والأولياء ما دامت لكل فريق كرامات ومعارف وسلطة على البشر.

والحقيقة أن تفضيل الأنبياء على الملائكة أو تفضيل الملائكة على الأنبياء لا أساس له؛ لأنه تفضيل بين طرفين غير متساويين، وليسا من نفس النوع. فالأنبياء بشر والملائكة ليسوا من البشر. الأنبياء أشخاص مرئية، لها أفعال في التاريخ، ويمكن الحكم عليهم، في حين أن الملائكة أشخاص معنوية، لا يمكن الحكم عليها إلا ظنا. ولا يمكن مقارنة المادي بالمعنوي، المرئي باللامرئي، فهما ليسا من نفس النوع. الأنبياء معروفون برسالاتهم وأعمالهم، وآثارهم في التاريخ؛ أي تأسيس الدعوات وإقامة الدول وتشكيل عقائد الناس وتوجيه سلوكهم. أما الملائكة فلم يرها أحد، ولم تؤثر في التاريخ، ولم تعرف إلا سمعا من النبوة؛ وبالتالي لا يوجد إلا طرف واحد، هو النبوة أو الأنبياء الذين وجدوا في التاريخ، وأخبروا عن الملائكة. وما هو مقياس التفضيل؟ العصمة؟ درجة الخطأ؟ الرتبة عند الله؟ شرف الوظيفة؟ وإذا أمكن معرفة ذلك في حال الأنبياء، فكيف يمكن التعرف على كل ذلك في حال الملائكة؟ كيف يمكن معرفة عصمتهم أو درجة أخطائهم أو رتبتهم عند الله؟ أما الوظائف فلا تتفاوت فيما بينها شرفا ورتبة، بل هو نوع من تقسيم المهام وتوزيع الأعمال؛ فالنبوة للتبليغ للناس، والملاك للتبليغ للنبي، وليس هذا بأفضل من ذاك. وبطبيعة الحال لا يكون التفضيل بين المادة والروح، بين المرئي واللامرئي، فليست الروح بأفضل من المادة، ولا المادة بأفضل من الروح، ولكن يكفي التفضيل من حيث الفعل والغاية والرسالة. وقد يكون الكائن الحر العاقل مثل الإنسان أفضل من الكائن المجبر مثل الحيوان أو النبات أو الجماد أو الملاك. وما الهدف من التفضيل؟ الاختيار أم الترجيح أو التمثل في السلوك؟ هل الهدف مجرد معرفة نظرية من عقلية تتصور الموضوعات في سلم شرف وترتيب رأسي صاعد أو نازل، أم أنه تفضيل ينتج عنه أثر عملي سلوكي في حياة الناس العملية؟ هل هو نتيجة لعملية التعظيم والتبجيل لرفع الأنبياء درجة أعلى، أو للتقرب إلى الملائكة صعودا إليهم وزلفى؟ وما هي نتيجة التفضيل؟ وكيف يتم الاختيار بين الأنبياء والملائكة في الأفضلية؟ وهل هي أفضلية فعلية أم مجرد حكم قيمة طبقا للهوى والمزاج ودرجة الإحساس بالتعظيم والتبجيل والاغتراب عن الواقع؟

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٦١