7
وقد يخف هذا الموقف المبدئي الإيماني شيئا فشيئا، بالتخلي تدريجيا عن إثبات العصمة حتى نفيها، ابتداء من التفرقة بين ما قبل البعثة وما بعدها. فإن جاز بعض الخطأ قبل البعثة فلا يجوز بعدها؛ فقبل البعثة لم يكن الرسول مكلفا، ولا متعبدا بشريعة، ولا مخاطبا برسالة؛ وبالتالي انتفى موضوع الصواب والخطأ؛ ولكن في نفس الوقت ينفي ذلك وجود الدين الطبيعي وشريعة العقل؛ دين الفطرة، بل ينفي وجود كرامات قبل البعثة، فلا تجوز المعصية والكرامة في نفس الوقت، كما ينفي حجة مكارم الأخلاق التي عرفت عن الرسول قبل البعثة، والتي تستعمل أحيانا كأحد مبررات اختيار الرسول كرسول، كما يناقض بعض عموم الآيات، مثل:
وإنك لعلى خلق عظيم
دون تخصيص لما بعد البعثة أو قبلها.
8
وقد تجوز السهوة والغفلة؛ أي الأخطاء لا عن قصد وعن غير عمد، في حين لا تجوز الأخطاء المقصودة المتعمدة؛ فلا يرتكب النبي خطأ وهو عالم به أو عن عمد، بل يفعله عن سهو وخطأ وسوء تقدير. وهذا يتفق مع المسئولية عن الفعل بوجه عام، ليس عند الرسول فحسب، بل عند باقي المكلفين؛ فشرط الفعل هو القصد، والأفعال غير المقصودة ليست أفعالا تكليفية، وقد يقع الخطأ عن تأويل واجتهاد، وليس عن قصد وعمد.
9
والاجتهاد أصل من أصول التشريع، وللمخطي أجر وللمصيب أجران. وقد تجوز عليهم الصغائر دون الكبائر؛ إذ لا يجوز عليهم الكفر والفسق، وهو ما ينتج عن ارتكاب الكبائر.
10
ولكن ماذا يحدث عند الذي لا يفرق بين الصغيرة والكبيرة؟ وكيف تجوز الصغائر وفي نفس الوقت يكون النبي قدوة، وأفعاله سنة، وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق؟ وإن جازت الكبائر مع الصغائر فلا يجوز الكذب في التبليغ؛ لأنه خيانة وكتمان، وهي صفة تمس الرسالة، لا يمكن تجاوزها وإن أمكن التجاوز عن الأخطاء التي تمس الشخص.
11
وقد تقع منهم الأخطاء ويغفرها الله لهم، كما يغفر لباقي البشر، دون زيادة أو نقصان، بعد إعلان التوبة والندم. والحقيقة أن كل ذلك إن وقع فهي دروس تعليمية للناس، وتوجيه للأمة وإرشاد لها، ولا أحد معصوم من الخطأ ما دام بشرا يمارس حريته ويعمل عقله؛ فقد ينسى النبي، كما ينسى البشر، حتى في حفظ الوحي، وقد ينتابه ما ينتاب البشر من أهواء وانفعالات، وقد يرجح مرجوحا، وقد يخطئ في التحليل وفي إدراك موازين القوى، وقد يتسرع أو يهتم، وقد يشك، وقد يعزم ويجزم ويقطع. ويأتي درس التصحيح في حالة النبي كتعليم وتوجيه وإرشاد. وعلى هذا النحو ترى الأجيال بعده التوتر بين الواقع والمثال، بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وقد تكون كثير من الأفعال مشروطة أو محتملة ولم تقع بعد، ولكن التنبيه عليها وذكرها كحالة افتراضية قد تقع فيما بعد، يدخل في إطار هذا الدرس التعليمي، وهو منهج الوحي في التعليم من المحاولة والخطأ، وفي إعادة التكليف طبقا للواقع، وكما هو واضح في النسخ.
12
والحقيقة أن القول بعصمة الأنبياء هو رد فعل على القول بعصمة الأئمة؛ فإذا كانت هناك عصمة كتعبير عن التبجيل والتعظيم للقائد والزعيم، فالنبي أولى بها من الإمام. والقول بعصمة الإمام تستدعي القول بجواز الخطأ على النبي، والقول بعصمة الإمام في الحقيقة إنما هي نتيجة لزعامته لمجتمع الاضطهاد، وضرورة سيطرته على الجماعة وقيادته لها؛ فالعصمة تعطيه قوة معرفية وعملية، وتسمح له بالقيادة والإرشاد أكثر مما يعطيه جواز الخطأ والمراجعة عليه من الناس، وهو نتيجة لاتجاه المجتمع العظيم لتبجيل الزعماء والقادة، ورؤية خلاصه فيهم ومن خلالهم، ورفعهم إلى مستوى الأنبياء بل والآلهة؛ ففي كل المجتمعات المضطهدة تبرز أهمية الإمامة وصفاتها مثل العصمة، وطالما كان الإمام معصوما كان مطاعا، ويبرز ذلك في كل مجتمعات التسلط عندما يدعي الزعيم السياسي أنه هو وحده العالم والقائد والملهم والمرشد والمعلم، وأنه لا تجوز مراجعته أو نقده أو الخروج عليه، وأنه لا يجوز حتى لمس بغلة السلطان أو نقدها بكلمة، بل إن النبي يجوز أن يكفر ويعصي ويرتكب الكبائر، في حين لا يجوز ذلك على الإمام. وإن حاجة الإمام إلى العصمة أكثر من حاجة النبي؛ فإذا كان للنبي وحي يصححه فإن الإمام ليس له إلا العصمة. العصمة إذن سلاح سياسي لزعزعة الثقة في القيادة المعارضة؛ أي النبوة أو الخلافة، ولزرعها في قيادة جديدة هي الإمامة، فكل زعيم يدعي قومه أنه أولى بالعصمة من الآخر؛ وبالتالي أولى بالطاعة لأمره والانتصار له، وبالتالي يتنازع العصمة الخصمان؛ دعاة النبوة ودعاة الإمامة، مجتمع التسلط ومجتمع الاضطهاد. كل منهما يبغيه دفاعا عن ذاته؛ فدخلت العصمة كسلاح سياسي في الصراع من أجل السلطة.