تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2

والحقيقة أن هذه الرؤية لها نمطها التقليدي في تاريخ الأديان، مثل صعود باروخ ودانيال إلى السماء على عمود أو مركبة من نار؛ رمز القوة عند اليهود. ولها ما يشابهها أيضا في أساطير اليونان، بل إن السماء في ديانات الشرق (كوريا) لتصبح هي المبتغى والمطلب. فهي بهذه الصيغة أقرب إلى الأساطير الشعبية التي يخلقها الرواة للتأثير في النفوس، واللعب بعواطف الإيمان، واستعمال كل الواقع النفسي والاجتماعي للحاضرين من أجل الإقناع والتأثير. هل هو رمز على هزيمة الكفار في غزوة بدر، ورؤية النبي لنفسه وهو سيدخل مكة فاتحا، كما هو الحال في رؤى عديدة من قبل، مثل رؤية يوحنا التي تبشر بانتصار المسيحية على الإمبراطورية الرومانية؟ الحقيقة أن الرواية كلها معارضة لروح الإسلام ومنهجه وطبيعته ورسالته؛ فالإسلام دين واقعي ورسالة إنسانية. اكتمل فيه الوحي واستقل فيه العقل وأصبح للإرادة حرية الاختيار، ولكن الرواية عود إلى الوراء، إلى قصص الأنبياء عند بني إسرائيل؛ حتى لا يكون خاتم الأنبياء أقل من الأنبياء السابقين في مجتمع تصل المنافسة فيه بين الدين الجديد والديانات القديمة، خاصة اليهودية، حد العداء السافر والحرب العلنية. تشير الرواية إلى جوانب غيبية والإسلام ليس دينيا غيبيا. هل هي مشاهدة للعالم على نحو تجريبي بالرؤية الحسية؟ ولكن التجربة هنا فردية صرفة، مثل تجارب الصوفية التي لا يمكن إيصالها إلا رمزا. وماذا رأى وماذا شاهد؟ لقد كان قاب قوسين أو أدنى؛ أي إنه لم ير الموضوعات ذاتها، ولكنه رأى صورا وخيالات لها، كما يفعل الأنبياء بعد البعثة، وكما يحدث للشعراء والأدباء والصوفية. هل أخذ منها علوما يستفيد منها الناس، أم أنها تجارب ذوقية خالصة؟ وما هي هذه العلوم التي أخذها ولم يبلغها للناس؟ وما الفائدة العامة من التجارب الذوقية الفردية؟ هل هي مكافأة للرسول؟ وكيف تعطى المكافأة والرسالة لم تتم بعد؟ هل هي معجزة من معجزاته مثل باقي المعجزات القديمة؟ ولكن المعجزة بهذا المعنى لم يعد لها وجود. وقد أتى الإعجاز الجديد بديلا عنها، وفي إعجاز القرآن الكفاية، وهو التحدي البشري الأدبي والتشريعي، من حيث الشكل ومن حيث المضمون. وإذا كانت الغاية منها تعليمية تجريبية صرفة، وهو ما يطابق منهج الإسلام في النسخ، فإن فرض الصلاة أثناءها، ثم سماع النبي تجارب الأمم السابقة على لسان أنبيائها في قدرات الأفراد والشعوب على تحمل العبادات، وتخفيض عدد الصلوات من الخمسين إلى الخمس صلوات، تكون العبادات كلها قد حققت الهدف منها، وهو فرض الصلوات الخمس على الأمة بناء على تجارب الأمم السابقة وطبقا لخبراتها؛ وبالتالي تصبح الرواية كلها في حاجة إلى تفسير وتأويل.

لذلك يؤثر البعض تصور الإسراء والمعراج روحيا خالصا، فهما صورتان فنيتان لتميز النفس عن البدن، ولصعود الروح إلى الملأ بحثا عن المعرفة وطلبا للسعادة، ورمزان للتعالي والمفارقة يشيران إلى يقظة الشعور، وإلى قدرته على التعالي والمفارقة. وهذا جائز على طريقة الفلاسفة، وما حاولوه من قبل في نظريات الاتصال بين العقل المنفعل والعقل الفعال، أو ما حاولوه من قبل في نظرية النبوة. وقد تمت هذه الرحلة الروحية في النوم لا في اليقظة، وتمت الرؤية بالروح لا بالعين. وعلى أقصى تقدير لم تصل الرواية إلى حد التواتر؛ وبالتالي لا تفيد اليقين. وإذا كان الإسراء من مكة إلى بيت المقدس قطعيا نظرا لإمكانية رؤية النفس عن بعد، فإن المعراج من بيت المقدس إلى السماء ظني.

3

وقد يحاول البعض تفسير ذلك علميا؛ بأن يماثل بانتقال إبليس من مكان إلى مكان، وبحركات الأفلاك السيارة، على قدر عال من السرعة، دون أن نشعر بها، وبصعود الجسم الخفيف إلى السماء؛ بسبب ضغط الهواء، أو حتى برجال الفضاء وهم يسبحون.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٥٨