تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

30

والإعجاز التشريعي ليس فقط على المستوى النظري الاستنباطي في الاجتهاد، بل أيضا على مستوى التحقق الاجتماعي والتاريخي؛ فهو إعجاز في الفكر وفي الواقع، في النظم وفي التاريخ، من حيث القدرة على نشر الدعوة، وتجنيد الجماهير، وتغيير الأبنية الاجتماعية، وبناء دولة جديدة أصبحت وريثة لأكبر إمبراطوريتين قديمتين، الفرس والروم، في أقل وقت ممكن. تحولت قبائل الجزيرة العربية إلى طلائع واعية لحركة تغير اجتماعي وتاريخي، وأعطت مثلا في التنظيم وفي القيادة ما زالت تمثل في وجدان الأمة قدرة على التمثل والاقتداء ورفض الواقع والتطلع إلى عالم أفضل، لدرجة أن أصبح التقدم في التاريخ هو لحاقا بقدوة الصحابة وبسيرة الخلفاء.

31

| ثامنا: الشخص أم الرسالة؟

إذا كانت النبوة تحتوي على أربعة أطراف؛ المرسل والمرسل إليه والمرسل إليهم والرسالة، وكان المرسل موضوع التوحيد أول العقليات، فإن المرسل إليه موضوع النبوة أول السمعيات، ويكون السؤال حينئذ في المرسل إليه: هل تتحدد صلته بالمرسل فيكون لدينا البعد الرأسي في النبوة، أم تتحدد صلته بالمرسل إليهم وبالرسالة فيظهر البعد الأفقي في النبوة؟ وبصيغة أخرى: هل ترتكز النبوة على الشخص أم على الرسالة؟ إن المتتبع لتاريخ علم العقائد يجد هناك تشخيصا واضحا للنبوة؛ أي التركيز على النبوة كشخص دون النبوة كرسالة، وتظهر النبوة كشخص في الإسراء والمعراج، وفي العصمة، وفي التفضيل بين الرسل والأنبياء، ثم تتشخص في سيرته الذاتية؛ أولاده ونسبه وأصحابه وزوجاته، مرة في علاقته بالصوري ومرة في علاقته بالمادي، مرة بالنسبة إلى الروح ومرة بالنسبة إلى البدن. فما يجب له من صفات الصدق والأمانة والتبليغ والفطنة، وما يستحيل عليه من صفات الكذب والخيانة والكتمان والتهور أو البلادة، وهي صفات إن كانت للمرسل إليه إلا أنها شروط لأداء الرسالة. (1) النبوة كشخص

وتظهر النبوة كشخص في حياة الرسول الخاصة وسيرته الذاتية، والتي لا تتعلق في كثير من الأحيان بالرسالة كتبليغ متواتر لها مضمون فعلي يتصل بحياة الناس. ويعطي القدماء نماذج لهذه النبوة المشخصة في الإسراء والمعراج، وفي عصمة النبي، وفي تفضيل الأنبياء، وفي سيرته الذاتية. (أ) الإسراء والمعراج

لم يظهر هذا الموضوع كجزء من العقائد إلا في العقائد المتأخرة في مرحلة انحسار العقل وزيادة النقل؛ ففي العقائد المبكرة يذكر كأحد موضوعات الإيمان في النبوة، ولكنه في العقائد المتأخرة يزداد تفصيلا في وصف السموات السبع، وسدرة المنتهى، والبراق، وجبريل، وميكائيل. وهي مادة مستمدة أحيانا من علوم السيرة، وأحيانا أخرى من الخيال الشعبي والمصنفات فيه.

1

وبتحليل إحدى الروايات الواردة في كتب العقائد المتأخرة يلاحظ أن الخلاف في مكان ووقت وقوعها، قبل الهجرة أو بعدها، في بيت أم هاني أم عائشة، قد يكشف تنافسا بين الزوجتين لنيل شرف الواقعة، أو قد يكشف تنافسا آخر بين المهاجرين والأنصار لنيل الشرف، قبل الهجرة للمهاجرين وبعد الهجرة للأنصار. ولم يبدأ الرسول رحلته إلا بصحبة ملكين؛ جبريل وميكائيل، رسول الوحي ورسول الله. ولا تكون الصحبة إلا باثنين يمينا ويسارا؛ تعبيرا عن مرتبة الصديق ورفعة المنزلة، ثم حملاه إلى المسجد وهو مكان طاهر لشق صدر قلبه وغسله وملئه علما وحكما؛ فالحمل إلى المسجد أفضل من السير به إلى المسجد، كما هو الحال في أفعال الصلاة، ولم يتألم حين شق صدره على نقيض مناظر الصلب التي تألم فيها المسيح، حتى يزداد تحمله لآلام البشر، في حين أن الألم هذه المرة لا وجود له. وهذا يعبر عن تصور الدينين للألم؛ وجود أم عدم، فشل أم نجاح. وقام جبريل، وليس ميكائيل، بالغسل، ووضع فيه العلم والحكمة؛ لأنه ملك الوحي. وللواقعة نمط سابق في كرامات النبي قبل البعثة في شق صدره وغسله، ورفع المضغة السوداء منه، وتخليصه من الشيطان. وكلها أفعال الطهارة من المسجد إلى القلب إلى السماء؛ نقطة البداية ونقطة النهاية والمحمول بينهما. وركب الرسول البراق دون أن تعطي مصنفات العقائد وصفا له كما تعطي كتب السير؛ لأن قدر الخيال الشعبي فيه لا نهاية له. وفي الطريق إلى المسجد الأقصى رأى عجائب لا تذكر، ولكن من الطبيعي أن يركب البراق وينظر حوله وهو يقطع هذه المسافات الشاسعة، أن يرى ما لا يراه غيره من عابري الفيافي والقفار، خاصة من رسول تعود على هذه الرحلة، ويعرف ما فيها من مناظر الطريق قبل البعثة وهو يقود القوافل إلى الشام. وبطبيعة الحال أن يصلي إماما في بيت المقدس التي هي قبلة المسلمين قبل أن تتحول إلى البيت العتيق. وكيف يصلي والصلاة لم تفرض بعد إلا بعد الرجوع من الإسراء والمعراج؛ فقد فرضت الصلاة على المسلمين بعدها؟ وصلى إماما بالأنبياء والرسل؛ لأنه خاتم الأنبياء. ومن الطبيعي أن تكون الغاية مقدمة على الوسيلة، والنهاية على المقدمة. أما صلاته بالملائكة مع الرسل والأنبياء فيتطلب نزول الملائكة من السماء إلى بيت المقدس أولا. وهي أفعل تفضيل على الأنبياء والرسل زيادة في إبراز الإمامة للجميع. ولا يذكر كم من الوقت أخذ الإسراء ولا أية صلاة كانت؟ أما المعراج فمرقاة من ذهب ومرقاة من فضة؛ فلكل مسار معراج، ولكل قطار قضيبان، والذهب والفضة أغلى معدنين يصبو إليهما كل إنسان راغبا في الثروة والغنى ومتع الدنيا. ويبدو أن المعراج ليس روحيا خالصا، بل هو معراج مادي من معدنين ماديين. وهل يحتاج العروج إلى السماء طيرا في الهواء إلى مسار مادي وطريق معدني؟ وحتى يزدان الركب بهاء وجمالا وأبهة تحفه ملائكة يمينا وملائكة يسارا، يحفان بالموكب الملكي صحبة وزينة وتكريما. وعلى كل عتبة سماء يخبر جبريل ملائكته بقدوم الرسول، فيرحبون به ويعظمونه، فيظهر فضله، فيسر قلبه، ويزداد شكره لربه. وفي صياغات أخرى توصف السماء بالياقوت الأحمر والأخرى من الزبرجد الأصفر، وإحدى درجاته من الفضة وأخرى من الذهب مكللة بالدر والياقوت! وهو وصف غني رأى كل هذه الجواهر وعرفها، أو وصف تاجر مجوهرات ربما يعبر عن حرمان الناس؛ حتى يستطيع الخيال أن يؤثر فيهم ويجذبهم إليه. وهل السماء مادية حتى تكون فيها درجات من ذهب وفضة؟ وتلاحظ ثنائية المعدن وتمايز الألوان بين الأحمر والأصفر صراحة، أو الأصفر (الذهب) والأبيض (الفضة) بطريق غير مباشر. وقد يكون ذلك وصفا لألوان الشفق؛ الحمرة والصفرة، أو لألوان الطيف، كما يلاحظ تنوع المعادن من ياقوت وزبرجد، ذهب وفضة، در وياقوت، وتكرار الياقوت مرتين. وكيف بالذي يسرى به ثم يعرج وفي شوق إلى اللقاء، ويلتفت إلى هذا النعيم المادي الحسي كله الذي يبعد النفس عن نعيمها الروحي؟ وقد تكون السموات سبعا وبها سدرة المنتهى لوصف نهاية المطاف. وهنا يتوقف علم أصول الدين ويعتمد على علوم التصوف.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٥٧