تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

42

وهناك معان زائدة في النبوة تتحدث عن كيفية المعرفة، صحيح أن الوحي لغة يعني الإعلام في خفاء ولكنه اصطلاحا إعلام الله للأنبياء، إما بكتاب أو برسالة ملك أو بمنام أو بإلهام، وإلهام غير الأنبياء في هذه الحالة ليس وحيا، فالوحي للتشريع وليس فقط للمعارف النظرية؛ لذلك قد يجيء الوحي بمعنى الأمر وبمعنى التسخير، ويكون الإلهام بمعنى الهداية والإشارة، ويطلق بهذا المعنى على القرآن والسنة؛ أي على الوحي المكتوب والمدون، وقد يزاد على هذا المعنى الزائد أصلا تفصيل كيفية حدوث الوحي، بأن يخلق الله حالة في النبي يسمع بها مثل صلصلة الجرس، أو من خلال ملك يتمثل رجلا؛ أي عن طريق الصوت أو الرؤية، عن طريق السمع أو البصر، من خلال الأذن أو العين؛ أي من خلال الحواس. وهذه المعاني الزائدة يصعب تأصيلها عقلا وتبقى سمعية خالصة.

43

وقد ركز الفلاسفة على النبوة بهذا المعنى الزائد داخل نظرية الاتصال؛ فقد أراد الفلاسفة أن يجمعوا فيها خواص ثلاثا؛ أن يكون النبي مطلعا على الغيبيات ما دامت النفوس الإنسانية مجردة قادرة على إدراك المجردات، وأن تظهر منه الأفعال الخارقة للعادة ما دام بروحه قادرا على التأثير، وأن يرى الملائكة مصورة ويسمع كلامها وحيا، نوما أو يقظة.

44

والحقيقة أن هذه الخواص الثلاث تجسيد للمعاني الزائدة في النبوة وتصوير لها؛ فالنبوة ليست غيبية بل حسية تؤكد على رعاية مصالح العباد، والغيبيات اغتراب عنها، والمعارف النبوية دنيوية حسية تتعلق بشئون الناس وصلاح معاشهم، كما أنها إخراج للنبي عن حدود الطاقة البشرية، وجعل صدق النبوة خارجيا وليس داخليا وضد قوانين العقل والطبيعة وليس معها، كما أن هذه المعاني الزائدة المشخصة وقوع في الغيبيات وإخراج للنبوة من محورها الأفقي، النبوة في العالم ومسارها في التاريخ إلى محورها الرأسي، النبوة كطريق بين النبي والله، طريقة للوصول خارج الزمان وخارج التاريخ، ولا يهمنا في النبوة طريقة الإيصال؛ الوحي أو الرسول أو من وراء حجاب، ولا يهمنا أيضا في النبوة الملك وأنواعه وطريقة قدومه وجرسه وصوته وشكله، ولا يهمنا ثالثا خيال النبي، وكيف كان يأتيه الوحي نائما أم يقظا، لا شأن لنا بالصلة بين الله والرسول وطريقة الاتصال بينهما بالملاك أو بغيره، اسمه وشكله وصوته؛ فذلك لا يمكن معرفته حسا أو عقلا، ولا شأن لنا بالنبوة بين الملائكة والجن والشياطين أو البهائم والطير والجمادات ما دامت مثلنا، نحن البشر؛ فهي كلها موضوعات مفارقة لا تسمح بها نظرية العلم في المقدمات النظرية الأولى، ما يهمنا هو الرسالة ذاتها التي بها صلاح العباد، والنبوة للبشر وحدهم؛ فطريق النبوة جزء زائد على تعريفها وخارج عن حقيقتها.

وقد تعني النبوة معنى ثانيا غير الإعلام والإخبار وهي الرفعة، فالنباوة من غير همزة ما ارتفع من الأرض؛ وبالتالي يكون النبي هو رفيع المنزلة عند الله، وهو معنى يترك النبوة ويتجه نحو النبي، ويترك الرسالة ويعرف الرسول، ويترك النبوة في التاريخ ويتصور علاقة النبي بالله، ويؤثر قيمة الارتفاع على الانخفاض، والصعود على الهبوط، ويفضل التأويل على التنزيل، وهو ما يعارض سير الوحي ومسار النبوة.

45

وليست وظيفة النبوة الإخبار بالمستقبل؛ فتلك كانت وظيفة النبي قبل خاتم النبوة كدليل على الصدق، وطبقا للمعنى الاشتقاقي للفظ في اللغة العبرية.

46

أما المعنى في ختم النبوة فهو تحليل الحاضر وليس الإخبار بالمستقبل، وإذا كان هناك قصص فإنما يهدف إلى إعطاء الحاضر ومد الوعي بدروس الماضي وخبرات الأمم السابقة؛ فالوعي بالحاضر هو وعي بالتاريخ، وما الحاضر إلا تراكم للماضي. الماضي عبرة ودرس وتطور يصب في الحاضر، مسارا من الماضي إلى الحاضر وليس نكوصا من الحاضر إلى الماضي. أما المستقبل فمرهون بفعل الحاضر ومشروط باستمرارية الماضي في الحاضر؛ فالماضي هو مستقبل الحاضر ومستقبل المستقبل على حد سواء. يظن القدماء أن النبوة تنبؤ بالمستقبل وقراءة له، ويظن المعاصرون أن النبوة رجوع إلى الماضي، والنبوة في حقيقة الأمر هي تحليل للحاضر لمعرفة جدل الماضي والمستقبل فيه، وقراءة الماضي هي استبصار للمستقبل، وما الحاضر إلا لحظة التقاء بينهما يتم فيها كشف القوانين ورؤية حركة التاريخ.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٥