32 (2) موضوعاتها ومحاورها
ونظرا لأهمية موضوع النبوة فإنها تخرج أحيانا من البناء النظري للعلم ومكانها الطبيعي بين التوحيد والعدل وبين الإيمان والعمل والمعاد والإمامة، وتدخل في المقدمات النظرية الأولى بعد نظرية العلم ونظرية الوجود، وتدخل عصمة الأنبياء في الإيمان والعمل ثم تظهر نبوة النساء والرؤيا في اللطائف،
33
كما تدخل النبوة لأهميتها في المقدمات إثباتا لإمكانها ضد منكريها أو مثبتي استمرارها وشمولها للطبيعة.
34
كما تظهر بعض موضوعات النبوة في كتب الحجاج، مثل دلائل النبوة والعصمة والنسخ والأخبار.
35
وبالرغم من بقاء هذه الموضوعات متفرقة متناثرة ومتداخلة فيما بينها إلا أنه يمكن جمعها في عدة محاور رئيسية نظرية أو عملية، عقلية أم تاريخية؛ وبالتالي يمكن عرض الموضوع وبناؤه بعد بيان تطوره واكتماله، وأنه من خلال هذا البناء يمكن رؤية المحاور الرئيسية فيه تكثر أو تقل؛ فإذا كانت الموضوعات خمسة عشر، فإنه يمكن وضعها في محاور رئيسية أقل، في ثلاثة مثلا؛ معناها وجوازها ومعرفتها، عدد الأنبياء وترتيبهم وصحة نبواتهم، وخاتمهم وعموم رسالته، وتفضيل الرسل بعضهم على بعض.
36
وإن كانت الموضوعات تسعا فإنه يمكن أيضا وضعها في محاور أقل، مثل إثباتها، وعصمة الأنبياء، وتفضيلهم، والمعجزة، والكرامة.
37
وإذا كانت الموضوعات خمسا فإنه يمكن أيضا وضعها في محاور أقل، مثل جوازها، ودليل صدقها، وخاتم الأنبياء، وأحكامهم.
38
وإذا كانت الموضوعات أربعا فإنه يمكن أيضا تلخيصها في محاور أقل؛ جوازها والدليل على صدقها وخاتم الأنبياء.
39
وإذا كانت الموضوعات ثلاثة فإنه يمكن ضمها في موضوعين اثنين؛ جوازها وصدقها.
40
أما إذا كانت الموضوعات اثنين، فإنها تكون محورين أساسيين في بيان جوازها بالعقل ثم في بيان وقوعها بالفعل؛ الأول يعرض للحق النظري والثاني يعرض للواقع العملي.
41
والحقيقة أن محاور النبوة الرئيسية أقل من موضوعاتها؛ هي بطبيعة الحال تبدأ بالسؤال النظري عن وجوبها أو استحالتها أو إمكانها، وهو سؤال الحق النظري وأنها ممكنة الوقوع، ثم يظهر المحور الثاني عن الدليل على صدقها؛ المعجزة أو غيرها، ثم يبدأ المحور الثالث عن تطورها بداية ووسطا ونهاية، وعلاقة المراحل بعضها بالبعض ناسخا ومنسوخا، وتوقفها كلية باكتمالها وتحقيق الغاية منها، ثم يظهر المحور الثالث والأخير عن النبوة في آخر مراحلها والدليل على صدقها، وهو الإعجاز وطرق نقلها، ورسالتها دون شخص نبيها، وأخيرا عن مضمونها العقائدي والتشريعي الذي يتناوله علم الأصول؛ ففي هذه المحاور الثلاثة تندرج كل الموضوعات المتناثرة؛ فتاريخ الأنبياء وتاريخ الأديان، سواء ديانات إبراهيم أو الديانات الشرقية القديمة والحوار معها، أكثر من الحوار مع الفرق الكلامية، كل ذلك يدخل في المحور الثاني عن تطورها، وكل الموضوعات المتعلقة بشخص النبي، مثل العصمة والتفضيل، كل ذلك يدخل في المحور الثالث عن الرسالة التي تجب شخص النبي. أما الموضوعات الغيبية كالملائكة وكيفية اتصال النبي بها فكلها تدخل في المحور الأول حول وجوبها واستحالتها وجوازها، ولكن يظل المحوران الرئيسيان للنبوة هما إمكانها ووقوعها، لا الموضوعات التاريخية الصرفة ابتداء من شخص النبي حتى صحابته وتابعيه وآل بيته، ولا الموضوعات الغيبية الصرفة وهي طريقة اتصال النبي بمصدر الوحي، كما هو الحال في نظرية الاتصال في علوم الحكمة. (3) معناها وحقيقتها
تعني النبوة الخبر أو الإخبار؛ فالوحي يأتي من الخبر، والخبر مصدر الوحي؛ الخبر هو الدال، والوحي هو المبادئ العامة في المعرفة الإنسانية لا شخص النبي، وموضوعه حياة البشر وصالح الناس وليس شخص المرسل أو الرسول. تعطي النبوة إذن معارف وأخبارا، فهي من جانب المعرفة من أجل توجيه السلوك؛ لذلك جاءت النبوة اشتقاقا من النبأ أي الخبر بالهمزة؛ أي الإعلام، والإعلام غير الإلهام، وليس من باب الظن والوهم أو الكهانة أو النجوم، بل إخبار الله بما يكون. النبوة إذن نوع من المعرفة متميزة عن أنواع المعارف الأخرى؛ يقينها باطني، ومعرفتها يقينية. إذا كان الإلهام كشفا فالنبوة استدلال، وإذا كان التوهم ظنا فالنبوة يقين، وإذا كانت الكهانة من استراق الشياطين السمع من السماء، فيرمون بالشهب الثواقب وقد انقطعت بمجيء الرسول، فالنبوة عقل وليست سحرا، وإذا كانت النجوم تجارب تتعلم، فالنبوة علم وليست تخمينا أو خرافة، وإذا كانت الرؤيا لا يدري أحد صدقت أم كذبت، فالنبوة لا تأتي إلا في اليقظة دون الحلم.