تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16

كما أن لذلك أنماطا سابقة في تاريخ اليهود عند أنبياء بني إسرائيل في كلام سليمان للهدهد، وحديث المسيح في المهد صبيا. ولقد حاول المعاصرون إيجاد تفسير علمي لذلك استشهادا بالببغاء، ولكن الببغاء لا يفهم كما فهم الذئب والبعير والناقة والغزالة والظبية. (6)

أما ظواهر الطعام والصحة، أي ما يتعلق بالبدن، فيأتي في المقدمة كلام الذراع أو تكليم الذراع؛ الصيغة الأولى تصف الفعل والثانية تصف الفعل مع الفاعل. وأحيانا تتفصل الصيغة ويأتي سبب الكلام، فتصبح كلام الذراع المسمومة. ولما كان هذا الكلام شهادة على النفس فقد تصبح الصيغة شهادة الشاة المسمومة. وقد تتحول الواقعة إلى قصة بها حوار مباشر، مع تعليل لسبب الحديث، وهو خلق الله في الذراع كلاما، وقول الذراع للرسول: «لا تأكلني إني مسمومة.» وقد تنقل بعد صيغ ظواهر الجماد، مثل تسبيح الحصى، فتصبح تسبيح الطعام من أجل تقابل بين الطعام المسموم والطعام الطيب؛ الأول ينبه على الشر والثاني يسبح بالخير. وإذا ما عرفنا أن الدعوة كانت موجهة من يهودي، فإن هذه الواقعة بصيغتها المختلفة إنما تدل على العناية بالنبي وحفظه من عداء اليهود له. أما الواقعة الثانية، تكثير الطعام، فلها صياغات عدة تختلف فيما بينها من البداية أو الوسط أو النهاية؛ فقد تكون البداية مجرد وصف لواقعة مادية وأنها حادثة مثل جعل الطعام كثيرا؛ وقد يقرب الواقعة درجة من الخيال، فتصبح تكثير الطعام القليل؛ وقد يزاد عليها العلة الفاعلة، فتصبح تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه؛ وقد تزاد الدلالة وتتحول من الواقعة المادية إلى الواقعة الإنسانية، وتتحول البداية من الجعل والتكثير إلى الإطعام والإشباع، فتصبح الصيغة إطعام الرسول المئين والعشرات من صاع شعيرة مرة بعد مرة، مع زيادة تحديد كمي للطعام ولعدد الناس ولمدة الزمان؛ تقوية للدلالة وإثارة للانتباه. وكذلك إطعامه النفر الكثير من طعام يسير قرارا بحضرة المجموع حتى يزاد الشهود، وتتحول الواقعة من إدراك فردي قد يقع في خداع الحواس إلى إدراك جماعي ورؤية موضوعية. وتصل الدلالة إلى أقصاها عندما تصبح الصيغة إشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، أو إشباع الخلق الكثير من الطعام اليسير. وربما تزداد الصيغة وتتضخم على نحو إنشائي بالترادف؛ لإحداث مزيد من الأثر على الناس، فتصبح إشباع العدد الكبير والجم الغفير من الطعام اليسير. وللواقعة نمط قديم في تاريخ الأديان في تكثير المسيح للطعام، وإطعامه الخلق الكثير من طعام قليل، وشرب الخلق الكثير من الماء القليل ببركته ودعائه مع تحديد كمي للطعام بسمكتين وللشراب بقربتين، وفاض من الطعام والماء ما يكفي لخلق أكثر. ومما لا شك فيه أن حضور جمع غفير بحضرة القائد أو الزعيم يجعل أحوالهم النفسية في غاية التواتر، وعواطفهم في غاية الحدة، بحيث يفقدون الإحساس بالجوع والشبع والعطش والروي من الناحية العضوية. ويكفي أقل القليل من الطعام والماء لسد جوعهم وعطشهم ما دامت النفس في هذه الحالة من التوتر والعواطف في هذه الدرجة من الحدة. وهي تجربة نفسية إنسانية، يشعر بها عامة الناس من لقاء الأمهات للأبناء بعد طول غياب، ولقاء المحبين بعد طول هجران، ولقاء الصوفية بالله بعد مخاطر الطريق. أما الواقعة الثالثة فتتعلق بالأمراض العضوية، مثل إزالة الضر من الأمراض. وقد تزاد على ذلك العلة الفاعلة المادية المباشرة مثل لمس اليد، فتصبح شفاء الأمراض العضال بمجرد لمسة؛ أو العلة المعنوية غير المباشرة مثل الدعاء، فتصبح شفاء الأمراض العضال على يده بمجرد لمسه لأصحابها أو دعائه لهم. وقد يزداد التفصيل باسم الرحمة والمريض وحضور الشهود ومدة الشفاء، فتصبح الواقعة إبراء عيني علي من الرمد بحضرة الجماعات في ساعة. وقد يشتد الخيال بوقائع الصحة والمرض، ويصبح استبدال الأعضاء والأطراف، ابتداء من رد عين أحد أصحابه بعدما قلعت فعادت أحسن مما كانت، حتى إحياء الميت بمجرد دعائه.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٤٩