أما ظواهر النبات فتتمايز فيما بينها؛ بين الصوت، مثل تسبيح العنب والرمان؛ وبين الحركة أي الصورة، مثل حنين الجذع، ومجيء الشجرة في صورة هادئة، أو انقلاعها في صورة عنيفة.
15
فقد يسبح العنب والرمان بمجرد أن يحضره جبريل في طبق أمام الرسول تعرفا عليه. وفي حنين الجذع قد يزداد تفصيل اليابس؛ حتى يظهر التناقض بين الحنين واليبس؛ فالحنين يحتاج إلى رطوبة وحياة وهو طبيعي، في حين أن حنين اليابس إيقاع تناقض بين الحنان واليبس؛ أي بين الحياة والموت. وقد يزداد الحنين بالجذع حتى يلتزم؛ أي يطوي نفسه على الرسول، ويكور نفسه حوله ملتزما بتعرفه على النبي!
وقد يكون الحنين بحضور الجميع؛ أي بحضور الشهود؛ حتى يزداد الأمر تصديقا ويتجاوز نقد خداع الحواس لفرد واحد. وقد يحن الجذع في واقعة خاصة في النبوة، ليس فقط النبوة العامة، بل إحدى لحظاتها في الخطبة؛ فقد كان الجذع منبرا قبل بناء المنبر، ولم يشأ أن يستغيى عن الرسول، فعاود الحنين إليه ومال عليه، ولم يترك الرسول حتى طيب الرسول خاطره، فعاد واستقام الجذع! وقد يضم الصوت إلى الصورة، فيتكلم الجذع، ويئن وهو يحن ويسمع الحاضرون كلامه. أما بالنسبة لحركة النبات فقد تجيء الشجرة بأمره وترجع بأمره إلى مغرسها، على عكس الإنسان العاصي الذي لا يأتمر بأمر الرسول. فللرسول قدرة على تحريك مظاهر الطبيعة وتحريك النبات. قد توصف الحركة فقط في صيغة مختصرة، مثل مجيء الشجرة، وقد تفصل الحركة بالعلة الفاعلة وهو الأمر، كما يفصل مسار الحركة ذهابا وإيابا؛ إلى مغرسها إيابا، ومن مقلعها إيابا. وقد توضع الواقعة كلها في قصة وحوار؛ طلب أعرابي دليلا على النبوة واستجابة النبي لذلك بإجراء الواقعة. وقد حاول المعاصرون تفسير ذلك علميا عن طريق قوانين الهواء، ودفع الريح للجذع، ومن خلال الثقوب، فيتحرك وتحدث الصوت، أو بقانون الميل والعودة إلى المكان الطبيعي، كما يفسر إجابة الشجرة له بقانون الجاذبية. وهذا يحيل المعجزة إلى حوادث طبيعية لا تخرق قوانين الطبيعة، بل تتفق معها، ولكنها تجعل العلم هو الأساس؛ وبالتالي لا تصبح المعجزات دليلا على صدق النبوة أو وقوعها. (5)
أما ظواهر الحيوان فهي أكثر بكثير من ظواهر الفلك أو الطبيعة أو الجماد أو النبات؛ نظرا لأهمية الحيوان في البيئة الصحراوية، طعاما وركوبا ودفاعا. وتتفاوت ظواهر الحياة بين الصوت، أي الكلام والمكالمة والنطق والإنطاق والشكوى والشهادة والخطاب والسلام والتكليم؛ وبين الصورة، أي الحركة كالمجيء والذهاب أو حدوث تغير غير متوقع في وظائف الحيوان. فمن معجزاته إنطاق العجماء أو نطق العجماء أو نطق البهائم؛ فالنطق فعل طبيعي من الشيء في حين أن الإنطاق بعلة فاعلة خارجية، وهي أقوى من الحالة الأولى، والأمر كذلك في مكالمة الأعجم أو كلام الحيوان الأعجم؛ الثانية فعل طبيعي في حين أن الأولى لها علة فاعلية خارجية. وتحت هذا العنوان العام يدخل كثير من الوقائع التفصيلية التي قد تقل أو تكثر، ومثال هذا كلام الذئب أو مكالمة الذئب؛ فالأول للشيء والثاني للفاعل، أو إنطاق الله للذئب للإخبار عن النبوة أو شهادة الذئب له بالنبوة. وقد تأتي الصورة مع الصوت، فتصبح الواقعة كلام الذئب ومجيئه، أو بالحركة فقط، فتصبح مجيء الذئب. وقد تتضح الغاية من الكلام؛ فلا يكون مجرد قول بل شهادة؛ أي قول حق بطريقة علنية أمام الأشهاد. وقد تتغير الواقعة ودلالتها والهدف منها؛ فبدل أن يكون كلام الذئب للشهادة على النبوة تكون للاعتراف بأخذ شاة، في حين أن الخلق لا تعترف بنبوة محمد. وقد يأخذ الكلام صيغة إنشائية بدلا من الصيغة الإخبارية؛ تعبيرا عن الجانب الوجداني في الموقف، فيصبح نموذج كلام الحيوان هي شكاية الناقة، شكوى البعير، شكوى البعير له بالتخصيص. وقد يتحول الأمر من الشكاية إلى شهادة بالبراءة، فتشهد الناقة ببراءة صاحبها من السرقة، أو إلى الكشف عن الشفقة والرحمة بالحيوان من الظبية التي ربطها الأعرابي، فسألت الرسول الإطلاق حتى ترضع وليدها وضمنت الرجوع، فأطلقها ورجعت وهي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أكثر مما يشهد الحكماء ببراهينهم ويثبتون بأدلتهم! وقد تكون صيغة الكلام ليس مع الذئب أو الناقة أو الظبية، بل مع الغزالة التي تسلم وتتعرف عليه. أما تغيير الوظائف العضوية للحيوان فمثل درور الضرع من الشاة اليابسة الجرباء التي لا لبن لها مرارا، ومثل أكل الأرضة كل ما في الصحيفة المكتوبة على الأشخاص؛ بني هاشم وبني عبد المطلب، حاشا أسماء الله؛ أسوة بما كان متبعا في اليهودية المحافظة من تحريم مسح أو رمي أو وطء أو إتلاف أي صحيفة عليها اسم الله، بل يجب حينئذ لفها في باطن الأرض؛ فأسماء الله لا تمحى!